ضاق صدري في الغربة وأفكر في ترك الدراسة، فما نصيحتكم لي؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا من دولة عربية، وفي الفترة الأخيرة ذهبت للدراسة بعيدا عن أسرتي، وهذه أول مرة أقوم بذلك، لكن خلال هذه المدة -والتي هي شهران- أعاني من ضيق في الصدر والقلب وهم كبير؛ حيث أصبحت أستيقظ وأنا أبكي، وأنام وأنا أبكي، وأبكي في عدة أوقات من اليوم أثناء الصلاة وأثناء الدعاء، لدرجة أن هذا أصبح يؤثر علي كثيرا في دراستي وفي حياتي اليومية، مما جعلني أفكر في ترك الدراسة والعودة.

نعم، بالفعل أجد الدراسة صعبة، وكذلك الوحدة، ولكن رغم محاولاتي للتأقلم فإن ضيق الصدر والعقل يجعل الأمور صعبة جدا علي، رغم أنني –والحمد لله– أؤدي صلاة الفجر جماعة، وأحافظ على أذكار الصباح والمساء، وأتلو وردي وما تيسر من سورة البقرة يوميا.

مؤخرا استشرت شيخا في مسجد، فنصحني بالرقية الشرعية، ولما قمت بها البارحة أخبرني الراقي أن بي شيئا من العين أو الحسد، وأوصاني بإحضار بعض الماء وزيت الزيتون له.

أتمنى أن أكون قد شرحت مشكلتي بطريقة واضحة، كما أنني بحاجة ماسة إلى أي نصائح أو مساعدة، لأن صحتي النفسية والعقلية تتدهور.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حمزة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تعاني من ضيق شديد في الصدر، ونوبات من البكاء المستمر، وهم جاثم على القلب منذ مغادرتك لأسرتك بهدف الدراسة، وقد لفت انتباهي في رسالتك حرصك الشديد على الطاعات رغم هذا الألم، وهو مؤشر خير كبير بإذن الله تعالى.

هذه المشكلة يمكن أن ننظر إليها من زاويتين:
الزاوية الأولى: تتعلق بالجانب النفسي والاجتماعي، فما تمر به يسمى علميا صدمة الاغتراب أو قلق الانفصال، وهو أمر طبيعي جدا أن تشعر به، خاصة وأنها المرة الأولى التي تبتعد فيها عن حضن الأسرة، فشعورك بالوحدة واستصعاب الدراسة في ظل هذه الحالة النفسية، هو نتاج طبيعي لتشتت الذهن واستهلاك طاقتك النفسية في الحزن، فلا تلم نفسك ولا تظن أنك ضعيف.

الزاوية الثانية: تتعلق بالجانب الإيماني، وما ذكره لك الراقي حول العين أو الحسد، ونحن هنا لا ننفي وقوع العين والحسد، فهما حق، ولكننا لا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية الغيبية، التي قد تزيد من قلقك وتجعلك تشعر بأنك مسلوب الإرادة.

إن التزامك بصلوات الفجر والأذكار وسورة البقرة، هو حصن حصين بحد ذاته، يقول الله عز وجل في محكم كتابه: {أليس الله بكاف عبده}، فكن على يقين أن من كان مع الله كان الله معه، ومن الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- لتجاوز هذه المحنة:

أولا: فيما يخص الرقية الشرعية، ننصحك أن ترقي نفسك بنفسك، فالإنسان أخلص ما يكون في الدعاء لنفسه، استمر على شرب الماء المرقي والاغتسال به والادهان بالزيت، فهي أسباب شرعية نافعة، ولكن اجعل تعلق قلبك بالشافي سبحانه لا بالزيت ولا بالراقي.

ثانيا: عليك بتغيير نظرتك للغربة، فنحن موجودون لتحقيق الاستخلاف وعمارة الأرض بالعمل والعلم، لا للعيش مع أشخاص معينين فقط، وتذكر قول الإمام الشافعي رحمه الله:

ارحل بنفسك عن أرض تضام بها *** ولا تكن من فراق الأهل في حرق
فالعنبر الخام روث في مواطنه *** وفي التغرب محمول على الحدق

ثالثا: من الناحية العملية، لا تتخذ قرار التخلي عن الدراسة في هذه المرحلة الحرجة من الضبابية النفسية، لأن القرار حينها يكون نابعا من الألم لا من العقل، وحاول تكوين صداقات صالحة في المسجد أو الجامعة لتكسر حدة الوحدة، فالمؤمن مرآة أخيه، والجليس الصالح يخفف عنك وحشة الغربة.

رابعا: لا بد أن نذكرك بأن البكاء أثناء الدعاء والصلاة هو تفريغ انفعالي، فاستغل هذا البكاء في بث الشكوى لله وحده، كما قال سيدنا يعقوب عليه السلام: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}.

خامسا: إذا استمرت نوبات البكاء وضيق الصدر بشكل يعيقك تماما عن الأكل أو النوم أو الدراسة، فقد يكون هذا اكتئابا تفاعليا ناتجا عن الغربة، وفي هذه الحالة يلزمك زيارة أخصائي نفسي للتقييم، فطلب المساعدة المتخصصة هو من الأخذ بالأسباب التي أمرنا بها الشرع.

نصيحة أخيرة: تذكر حديث النبي ﷺ:عجبا ‌لأمر ‌المؤمن، ‌إن ‌أمره ‌كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، فلعل في هذه الغربة وهذا الضيق تربية لنفسك على الصبر والتحمل والاعتماد على الله وحده، لتخرج منها شخصا أقوى وأكثر نضجا.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يرزقك العلم النافع والسكينة في غربتك.

مواد ذات صلة

الاستشارات