تأخر الرزق رغم السعي والأخذ بالأسباب، فما الذي ينصح به؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

زوجي يبحث عن عمل منذ أكثر من ثلاث سنوات، وقد أخذ بالأسباب قدر استطاعته: من دراسة، وتطوير مهاراته، والتقديم المستمر، وحضور المقابلات، ومع ذلك لم يفتح له باب رزق ثابت إلى الآن، كثرة الرفض أثرت عليه نفسيا بشكل كبير، حتى أنه بكى عندي أكثر من مرة من شدة التعب والإحباط.

حاليا أنا التي أعمل وأعول البيت، وأحاول دعمه قدر ما أستطيع، وأتحمل المسؤولية بصبر، ولا أشتكي لأحد رغم صعوبة الظروف، لكن الضغط النفسي علينا نحن الاثنين كبير، خاصة مع استمرار المحاولات دون نتيجة واضحة، وهو أصبح يشعر بالإرهاق وفقدان الأمل أحيانا.

نخاف أحيانا أن يكون هذا التأخير علامة تقصير أو ذنب لا نعلمه، فنكثر من الاستغفار والدعاء، لكن القلق يعود، ونسأل أنفسنا: إلى متى؟

سؤالي: كيف نفهم تأخر الرزق شرعا رغم الأخذ بالأسباب؟ وكيف نثبت ونطمئن دون الوقوع في سوء الظن بالله أو فقدان الأمل؟ وما الذي ينصح به في مثل هذا الابتلاء الطويل؟

جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم يوسف حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك أختنا الكريمة في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك فيكم، وأن يرزقكم من الحلال، إنه جواد كريم. دعينا نجيبك من خلال ما يلي:

أولا: كيف نفهم تأخر الرزق شرعا رغم الأخذ بالأسباب؟
من أعظم ما ينبغي تثبيته في القلب أن الرزق ليس مكافأة فورية على الجهد، وليس علامة رضا أو سخط بمجرده، بل هو جزء من قدر الله الذي يقوم على الحكمة لا على الاستعجال، وعلى العاقبة لا على اللحظة الراهنة.

الله سبحانه هو الرزاق، لكنه لم يربط الرزق بزمن محدد، ولا بطريقة واحدة، ولا بوضوح دائم، بل قال إن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أي يوسع ويضيق، لحكمة يعلمها.

والأخذ بالأسباب الذي قام به زوجك من دراسة، وتطوير، وسعي، ومقابلات، عبادة يؤجر عليها حتى لو لم تؤت ثمرتها بعد؛ لأن الله لا يضيع سعي الساعين، لكن ثمرة السعي قد تؤخر، أو تأتي في صورة مختلفة، أو بعد مرحلة كسر يعقبها فتح.

وتأخر الرزق لا يعني أبدا أن الله غير راض، ولا أن هناك ذنبا خفيا بالضرورة، فكم من أنبياء وصالحين ضاقت عليهم سبل الرزق زمنا، لا عقوبة، بل تهيئة ورفعة وحفظا لهم مما لا يعلمون.

ثم من قال إن الرزق لم يتحقق؟ فالحقيقة أن الرزق نوعان لا نوع واحد: رزق جلب، ورزق منع، فرزق الجلب هو ما نعرفه ونتعلق به من مال، أو وظيفة، أو مصدر دخل ظاهر.

وأما رزق المنع، فهو أخفى وأعمق، وقد يكون أعظم عند الله من رزق الجلب؛ لأن الله يمنع أحيانا رحمة لا حرمانا.

قد يمنع الله رزقا كان سيجلب معه فتنة في الدين، أو ذلا في النفس، أو بيئة فاسدة تستهلك الإنسان رويدا رويدا، أو قطيعة رحم، أو تفريطا في بيت وأبناء.

وقد يمنع الله بابا ليصرف عن صاحبه ابتلاء أعظم، أو مرضا، أو انهيارا نفسيا، أو طريقا كان سيظنه خيرا ثم لا يحمد عقباه.

وقد يكون المنع رزقا في صورة دفع، دفع لمرض لم يقع، أو مصيبة لم تنزل، أو دين لم يتراكم، أو علاقة عمل كانت ستكسر كرامة الإنسان دون أن يشعر، وكم من عبد قال بعد سنين: الحمد لله أن الله لم يفتح لي ذلك الباب، فقد كان سيهلكني.

والأخذ بالأسباب الذي قام به زوجك من تعلم، وتطوير، وسعي، وتقديم، ومقابلات، هو في ذاته رزق؛ لأنه توفيق، وثبات، وعدم استسلام، وهذا كله من عطاء الله، حتى لو لم يظهر أثره المادي بعد.

فالله لا يضيع سعي الساعين، لكن ثمرة السعي قد تؤخر، أو تأتي في صورة أخرى، أو بعد مرحلة كسر يعقبها فتح أوسع وأبقى.

ولهذا فالفهم الصحيح ليس أن نقول: لم نرزق بعد، بل أن نقول: نحن في رزق، لكن صورته لم تكتمل بعد، وما دام العبد في عافية، وإيمان، وصبر، وسعي، فهو لم يحرم، وإن تألم.

بهذا الفهم يستقيم القلب، ويهدأ القلق، ويعلم العبد أن المنع ليس دائما خسارة، بل قد يكون عين العطاء، ولكن بلغة لا يفهمها إلا من صبر وانتظر.

ثانيا: هل التأخير دليل تقصير أو ذنب؟
هذا السؤال يتردد كثيرا عند أهل الإيمان، وهو سلاح دقيق يستعمله الشيطان لإضعاف القلوب الصادقة.

نعم، الذنوب قد تحرم الرزق، لكن ليس كل تأخير سببه ذنب، وإلا لكان أكثر الناس طاعة أكثرهم غنى، وأكثر الناس معصية أكثرهم فقرا، وهذا غير واقع، والفرق كبير بين محاسبة النفس الهادئة، وبين جلد الذات القاسي.

- الاستغفار والدعاء مطلوبان دائما، لا لأنكما متهمان، بل لأنهما باب قرب وطمأنينة، لكن لا يجوز تحويلهما إلى دليل إدانة للنفس أو شك في محبة الله.

ثالثا: ما الذي يحدث نفسيا للزوج في هذا الابتلاء؟
من أصعب ما يمر به الرجل أن يبذل جهده ولا يرى نتيجة؛ لأن العمل عنده مرتبط بالكرامة والقدرة والقيام بالدور.

بكاؤه عندك ليس ضعفا، بل تفريغ إنساني مشروع، وهو دليل أنه ما زال حيا من الداخل، لم يتحول إلى قسوة أو انسحاب، لكن الخطر الحقيقي هو تراكم الإحباط دون متنفس، حتى يتحول إلى فقدان معنى أو شعور بالعجز الدائم.

وهنا دورك –وقد قمت به بصدق– عظيم؛ لأن وقوفك معه، وتحملك، وعدم إشعاره بالمنة؛ كل ذلك رزق ساقه الله إليه من خلالك.

رابعا: كيف تثبتان وتطمئنان دون سوء ظن بالله؟
الطمأنينة لا تأتي من معرفة متى ينتهي الابتلاء، بل من الثقة أن الله يسمع ويرى وكل شيء عنده بقدر ولحكمة، والعبد عليه بذل الجهد مع التسليم.

والثبات هذا يكون بعدة أمور مجتمعة:
- أن تعلما أن الله لا يؤخر إلا لحكمة، وقد تكون الحكمة حماية من باب رزق كان سيكسر الزوج نفسيا أو دينيا، أو يؤذيه في كرامته، أو يوقعه في بيئة فاسدة.

- أن تفصلا بين الرزق والقيمة الذاتية، فلا يقاس الرجل بقيمة راتبه، ولا يقاس النجاح بزمن واحد من الحياة.

- أن تقسما الأيام بين سعي جاد، وراحة نفسية، فلا يكون الحديث عن العمل هو الحديث الوحيد في البيت؛ لأن النفس إن لم تتنفس تختنق.

- أن تحذرا من سؤال إلى متى؟ بصيغة اليأس، واستبداله بصيغة الدعاء: اللهم اختر لنا وارزقنا وعافنا واعف عنا، اللهم افتح من حيث لا نحتسب.

خامسا: ما الذي ينصح به عمليا في مثل هذا الابتلاء الطويل؟
الاستمرار في السعي، لكن مع تغيير الأدوات لا تغيير الإيمان، فربما يحتاج الزوج مراجعة طريقة التقديم، أو توسيع دائرة المجالات، أو قبول مرحلة انتقالية مؤقتة، لا باعتبارها هزيمة، بل جسرا.

الاهتمام بالصحة النفسية؛ لأن الإنهاك المستمر قد يحجب الفرص دون أن يشعر الإنسان.

عدم مقارنة النفس بالآخرين؛ فهذه من أسرع طرق كسر القلب.

الإكثار من الدعاء مع اليقين لا مع الضغط، فالدعاء ليس زر استعجال، بل عبودية.

والأهم: أن تعلما أن ما تعيشانه الآن مكتوب، ومأجور، ولن يضيع، وأن الله قد يؤخر الفتح ليأتي واسعا، أو ليأتي في الوقت الذي تكونان فيه أقدر على حمله.

أسأل الله أن يفتح عليكما فتحا قريبا، وأن يعوضكما عن كل دمعة وكل لحظة قلق، وأن يجعل هذا الانتظار باب خير، وأن يرزقكما طمأنينة تسبق الرزق نفسه، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات