السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا متزوجة منذ ثلاث سنوات، وليس لدي أطفال، تعرفت على زوجي وتزوجنا في مدة قصيرة جدا، ولم أعط نفسي فرصة التعرف عليه جيدا من جميع الجوانب، لدرجة أنني لم ألتق به سوى مرة واحدة لمدة لا تتجاوز عشر دقائق؛ لأنني -بكل صدق- كنت أريد الزواج فحسب، تحت ضغوط الأهل والمجتمع؛ إذ بلغت سن الثانية والثلاثين ولم أتزوج بعد، حيث كانت لدي معايير عالية في الزواج أبحث عنها في الزوج، ولكن لم يتقدم من أجد فيه تلك المعايير، فاستسلمت وخفضت سقف معاييري عند أول شخص تقدم لي، وهو زوجي.
حاولت أن أرى الجوانب الإيجابية فيه فقط لأتقبله وأوافق عليه، وأتغاضى عن متطلباتي العالية التي كنت أبحث عنها، لكنني اصطدمت بالواقع بعد أيام قليلة من الزواج؛ بسبب عاداته اليومية وطريقة حياته، ولم أستطع تقبله كشخص سأعيش معه بقية حياتي؛ نظرا لاختلافنا الكبير في نمط الحياة وطريقة التفكير وكل شيء، وبالتالي صرت أشعر تجاهه بالنفور، وقلت مشاعري نحوه، ولم أعد أشعر بأي نوع من الانجذاب إليه، لا من حيث الشكل، ولا الهندام، ولا الرائحة، ولا الكلام؛ فلم يعد يعجبني فيه أي شيء؛ لأنه نقيض ما كنت أبحث عنه، فلا تجمعنا الأفكار ذاتها ولا النظرة المستقبلية، كما أنه لا يحب العيش وفق نمط الحياة الذي أحبه، ورغم أنني كنت أصارحه بذلك دائما، إلا أنه كان يغضب ويعتبر ذلك نوعا من الانتقاد، ويقول: "أنا هكذا، وهذه هي حياتي".
حاولت أن أحارب هذه المشاعر لمدة ثلاث سنوات، خاصة وأننا لم نرزق بأطفال، لكني فشلت، وإلى الآن لا أشعر بالسعادة معه، ولا بأي نوع من الانجذاب، وأحاول دائما تجنبه في العلاقة الحميمة، وحتى عند النزاع يقول لي: "أنا أشعر دائما أنك لا تهتمين لأمري"، وفعليا أنا لا أهتم؛ لأنني لا أستطيع الشعور بالحب تجاهه، وأفكر كثيرا في الانفصال؛ فمن حقي أن أكون سعيدة، ومن حقه هو أيضا أن يجد السعادة ويرزق بالأطفال.
ليس لدي الجرأة لطلب الانفصال، رغم أنه في كل مشاجرة كان هو من يطلبه؛ لأننا لا نستطيع التفاهم، وأنا من أثنيه عن قراره؛ لأنني كنت أخاف كثيرا من فكرة الطلاق، رغم أنني أفكر فيه منذ اليوم الأول.
إن فكرة الطلاق ترعبني، ومن جهة أخرى أريد الانفصال لأنني تعيسة، وأدرك أنني أظلمه معي في هذا الزواج، وهو إنسان صالح رغم اختلافنا الكبير في الطباع والتفكير وفي كل شيء، ففي حالتي هذه، إن تشجعت وانفصلت -بيقين مني أنه لن يعارض الفكرة؛ لأنه يشعر دائما بأنني لا أحبه- فهل أكون ظالمة؟ وهل يغضب الله علي إن انفصلت؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمينة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول، مستعينا بالله تعالى:
كما لا يخفى عليك أن من أعظم المعايير المطلوبة في الزوج أن يكون صاحب دين وخلق، كما أرشدنا إلى ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) فالدين والخلق صفتان متلازمتان لا تنفكان أبدا، وهما صمام أمان للحياة الزوجية السعيدة، وصاحب الدين والخلق إن أحب زوجته أكرمها، وإن كرهها سرحها بإحسان، وبقية الصفات تكون تابعة لما سبق، وإن كان النظر في بعضها مطلوبا كي تدوم العشرة وتقل المنغصات.
اشتراط الكمال في مواصفات الزوج أو الزوجة من المستحيل؛ فالكمال في البشر عزيز، ولذلك حصل لك ما حصل من تأخر الزواج من ناحية، والاصطدام بالواقع من جهة أخرى، حتى أدى بك الحال إلى إلغاء جميع الصفات والقبول بهذا الرجل، حيث كنت -كما ذكرت- تريدين الزواج فقط، ولذلك لم تكلفي نفسك بالسؤال والبحث عن توفر ذلك، وإن كنت ذكرت أنه رجل صالح، فإن كنت تقصدين أنه صاحب دين وخلق، فذلك ما أرشد إليه نبينا عليه الصلاة والسلام، وبقية الصفات تأتي تباعا، ويمكنك معالجة بعضها برفق ولين، فتغيير الطباع لا يأتي بيسر وسهولة.
لقد كنت تعيشين في بيئة تغاير تماما البيئة التي كان يعيشها؛ ولذلك لا بد من التباين في الصفات والتفكير وغير ذلك، فكونك تريدين منه أن يكون مثلك، أو هو يريدك أن تكوني مثله، طلب للمحال، ولكن كانت هناك قواسم مشتركة يمكن أن تجعلوها أرضية للتفاهم فيما بينكم عبر الحوار الهادئ المثمر، الذي يجعله يقبل بعض ما طلبت منه، ويجعلك تقبلين بعض ما عرضه، وما تبقى يمكن معالجته برفق ولين بين الحين والآخر، وإلا فلا بد من قبول كل طرف للآخر على ما هو عليه، وغض الطرف عما لا يحب من الصفات، والابتعاد عن مسببات الخلاف قدر الإمكان؛ فما ثمة بيت يسلم من المشاكل، حتى بيوت النبي -صلى الله عليه وسلم- لم تسلم، والحياة جبلت على النكد والكدر والمكابدة.
ابنتي الفاضلة: اعلمي أن للشيطان طرقه المختلفة في إفساد الحياة الزوجية من خلال وساوسه، كي يركز كل طرف على بعض الصفات التي تنفره في شريكه، فإن أصغى إليه آلت الحياة إلى الطلاق، وهذا غاية ما يريده.
أنت دخلت هذا الزواج بنفس معاييرك السابقة، ولكنك هنا لم تشترطيها قولا، وإنما بقيت في فكرك، لذلك لم تتقبلي هذا الزوج، لأن المعايير نفسها موجودة، وهذا عدم فهم منك للطبائع البشرية، وأن الناس مختلفون فيما تعودوا عليه، والواجب على الزوج أو الزوجة إن وجد أحدها في الآخر عيبا محاولة إصلاحه، فإن لم يستطع تقبل هذا العيب تغاضى عنه، وهذا توجيه نبوي للرجل، والزوجة تدخل في معناه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر) رواه مسلم، ومعناه: أي لا يبغضها لدرجة أنه لا يرى فيها شيئا جميلا، فوجهنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا التوجيه العظيم، ألا نبغض الناس لوجود بعض الأخطاء، كما قال الشاعر:
من ذا الذي ما ساء قط ** ومن له الحسنى فقط؟
وقال الآخر:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
نصيحتنا لك بأن تعطي نفسك فرصة، بأن تنظري في هذه العيوب، ما كان قابلا للتعايش رضيت به، وما كان صعبا عليك تجاهليه، فكل واحد فينا عيب، وقولي لنفسك: ما هي السعادة التي أبحث عنها؟ وهل يمكن أن أجد بعضها في بعض الجوانب؟
أصبح زوجك لا يهتم لأنه لم يجد اهتماما منك، بادري أنت بهذا الاهتمام، وابدئي بتغيير أسلوبك معه، عودي نفسك الابتسامة إن أقبل، والسؤال عنه وعن عمله، قد يكون صعبا في البداية ولكن جربي، قومي بإهدائه الملابس التي تعجبك، والعطر المفضل لديك، امدحي شكله، افتحي موضوعا معينا يحبه، الجيد في الأمر أنك تتفهمين مشكلتك، لذا نخاطبك أنت بالبحث عن الحلول، في محاولة أخيرة قبل الإقدام على الطلاق، انظري للقضايا التي تثير مشاكلكم، لا تناقشوها، ولا تجعلوا للشيطان عليكم طريقا، وغيري من أسلوبك في تناول هذه القضايا.
الرجال والنساء لكل منهما لغة خاصة به، قد لا يفهمها الطرف الآخر، ولا يعرف كيف يحدثه بها، بل ويظن أن من المفروض أن يفهمه الآخر مباشرة، وهذا أساس كثير من المشاكل، ابدئي بفهم لغة زوجك.
الرجل يفسر النقد بأنه رفض له كشخص، والمرأة تقصد بالنقد تحسين العلاقة.
حين تقولين له: (غير أسلوب حياتك) (لا يعجبني كذا) (أنا أختلف عنك).
هو لا يسمع مضمون الكلام، بل يفهم: "أنت لست الزوج الذي تمنيته"
ولهذا يرد مباشرة وبعناد: "أنا هكذا ولن أتغير".
هذا ليس عنادا، بل دفاع عن الكرامة.
ما البديل؟
بدلا من لغة التغيير، استخدمي لغة الاقتراح
لا تقولي: أنت لا تهتم بنفسك
بل قولي: هذا اللباس سيكون شكله عليك جميلا
لا تقولي: أسلوب حياتك لا يعجبني
بل قولي: أنا أفرح عندما نعيش نمطا حياتيا معا نتشاركه
فالرجل يتجاوب مع الطلب الواضح، لا مع التقييم.
اقترحي عليه رحلة لأي مدينة في بلادكم، أو اقترحي عليه تجربة أسبوع كامل بدون ضغوطات، اجلسوا للنقاش ومحاولة تقليل المشاكل، واحترام البعض، قد تكون هذه الحلول نظرية، لكنها مع النية الصادقة في الإصلاح تؤتي ثمارها -بإذن الله-.
للزواج في ديننا مقاصد، منها سكن النفس وحصول المودة والرحمة، كما قال سبحانه: {وجعل بينكم مودة ورحمة}، فإن لم يتحقق ذلك، فالطلاق أولى من البقاء في جحيم الحياة.
وقد حصل مثل ما حصل لك في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام؛ فثبت في الحديث الصحيح أن امرأة ثابت بن قيس -رضي الله عنهما- جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: "يا رسول الله، ما أعيب عليه في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام"، أي تكره العشرة معه، فأذن لها النبي ﷺ بالخلع، وهذا دليل واضح على أن مجرد النفور وعدم القبول القلبي سبب معتبر شرعا لإنهاء الزواج، ولو كان الزوج صالحا.
صلاح الزوج نعمة، لكنه لا يلزمك شرعا بالبقاء معه إن استحال القبول والعيش النفسي، كما أن بقاءك معه دون حب ولا رغبة ولا اهتمام يؤذيه نفسيا ويشعره بالنبذ، وقد يمنعه من الزواج بمن تحبه وتنجب له، وأنت بنفسك أدركت هذه النقطة، وهذا يدل على وعيك وعدلك.
إن شعرت الزوجة أو شعر الزوج بعدم التوافق، بعد بذل كل الوسائل لاستمرار الحياة، فالزواج ليس سجنا، ويمكن أن يتم التفاهم على الطلاق، وما جعل الله الطلاق إلا مخرجا ومتنفسا لنكد العيش ووصوله إلى نفق مسدود، وصدق الله حين قال: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ۗ إن الله كان عليما خبيرا)، وقال سبحانه: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ۚ وكان الله واسعا حكيما).
طلب الطلاق ليس فشلا أخلاقيا، وليس دليل سوء دين، وليس عقوبة من الله بالضرورة، بل هو حل شرعي حين تفشل الوسائل الأخرى، وقد قال الله تعالى: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته}.
خوف الزوج من غضب الله إن طلق في مثل حالتكما ليس في محله؛ لأن الطلاق أحيانا قد يصير واجبا متعينا؛ لأنه هو الحل الشرعي، والله سبحانه الذي شرع الطلاق لا يغضبه وقوع الطلاق المشروع، ولا يرضيه زواج قائم على كراهية ونفور وأذى نفسي دائم.
إن سئلت عن زوجك وعن سبب حدوث الطلاق فأثني عليه خيرا، واحذري من التشهير به أو تحميله الذنب، ولست مضطرة لذكر الأسباب.
نسأل الله تعالى لك التوفيق والسعادة، وأن يرزقك زوجا صالحا تسعدين معه في هذه الحياة، وأن يرزق زوجك السابق كذلك، إنه سميع مجيب.