نفوري من العمل اليومي المختلط وارتباطي بالعلم الشرعي ما تعليقكم عليه؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كيف يمكنني التفريق بين عدم رغبتي في العمل الروتيني اليومي، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص المرتبط بمجال دراستي، وبين إيثاري البقاء في البيت وعدم الخروج إلا للحاجة؟

أنا لا أريد ترك حلقات القرآن الكريم في المسجد والدار التي أرتادها، والتي سأضطر لتركها حتما إذا التحقت بوظيفة كاملة، فهل يمكن أن يكون شعوري هذا نابعا من الكسل وإيثار الراحة فقط؟

دائما ما يشعراني والداي بأنني أضيع مستقبلي بعدم العمل، وبأنني في حاجة ماسة إليه لمواجهة أي ظروف حياتية مفاجئة، وأنا بطبعي لا أحب الاختلاط ولا الذهاب للعمل يوميا؛ لذا أعمل حاليا يومين فقط في الأسبوع في دار تحفيظ قريبة جدا من بيتنا، ولا أحتاج لاستخدام المواصلات، كما أخصص بقية أيامي لحلقات القرآن الخاصة بي.

والحمد لله، أنا أحفظ القرآن الكريم وأهتم بمدارسة العلم الشرعي، ومع ذلك والداي يريان أنني لا أفعل شيئا، فهل ما أقوم به حقا غير كاف أم أنه كسل مني؟

وهل سأشعر بعد الزواج بملل شديد وفقدان للهدف بسبب عدم العمل؟ علما بأنني اجتزت دورات في التأهيل للزواج، وأنوي بإذن الله بعد الزواج البدء في دورات التربية؛ لأنني أحب الأطفال كثيرا وأطمح لإنجاب خمسة أطفال.

أشعر دائما بضيق في صدري حين يسألني أي شخص: ماذا تعملين بعد التخرج؟ وحين أجيب بما سردته لكم يكون الرد دائما: وكيف لا تبحثين عن وظيفة في مجالك؟ وذلك لكوني كنت متفوقة ومركزة في دراستي.

أعتذر جدا على الإطالة، ولا أعلم إن كان مقصدي قد وصلكم حقا أم لا.
وفقكم الله لما يحب ويرضى، ونفع بكم، وجزاكم الله خير الجزاء.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملك .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

ابنتي الكريمة، نشكر لك ثقتك في موقع إسلام ويب وطلب الاستشارة، وبارك الله فيك وفي حرصك على دينك وسؤالك الصادق، وما كتبته يدل على وعي ومسؤولية ورغبة حقيقية في أن تعيشي حياتك على بصيرة، لا على اندفاع أو ضغط من الآخرين.

بداية من المهم أن نضع الأمور في مواضعها الشرعية والنفسية والاجتماعية، وألا نخلط بين مفاهيم متقاربة في الظاهر لكنها مختلفة في الحقيقة؛ مثل الكسل، والزهد، واختيار نمط حياة يناسب الفطرة، أو تقديم عمل على آخر.

أولا: من الناحية الشرعية:
ما تقومين به ليس أمرا هينا ولا عملا ثانويا كما قد يراه بعض الناس؛ فإن تعليمك وتدريسك للقرآن، وحفظك لكتاب الله، وطلبك للعلم الشرعي، وجلوسك في حلقات القرآن؛ كلها من أجل القربات وأعظم الأعمال، وقد قال النبي ﷺ: ‌خيركم ‌من ‌تعلم ‌القرآن وعلمه، وهذا الخير لا يقاس بعدد الساعات ولا بنوع العقد الوظيفي، وإنما بقيمته عند الله وأثره في النفس والمجتمع، وكون هذا العمل غير مصنف عند الناس على أنه (وظيفة رسمية) لا ينقص من قدره شيئا عند الله تعالى.

ثانيا: التفريق بين الكسل واختيار نمط الحياة:
هناك علامة مهمة: الكسل غالبا يكون مصحوبا بتضييع الواجبات، والتثاقل عن الطاعات، والفراغ القاتل، والشعور بالذنب دون إنجاز حقيقي؛ بينما ما تصفينه عن نفسك هو انشغال منتظم، والتزام، وعمل نافع، وتطوير ذات، وتخطيط للمستقبل، وحضور قلبي فيما تفعلين.

وعليه، فهذا أقرب ما يكون إلى حسن الاختيار لا إلى الكسل؛ فأنت لا ترفضين العمل لأنك لا تريدين بذل جهد، بل لأنك تدركين أن نمط العمل اليومي المختلط والروتيني قد يزاحم رسالة أنت مؤمنة بها ومطمئنة إليها.

ثالثا: طبيعة الشخصية والاختلاف:
نفورك من الاختلاط، وعدم ارتياحك للالتزام الوظيفي اليومي، ليس بالضرورة عيبا أو ضعفا في الشخصية، بل هو اختلاف في الطباع والاستعدادات، وبناء على ذلك فإن الناس ليسوا قالبا واحدا، والإسلام لم يفرض على المرأة –ولا على الرجل– نموذجا واحدا للحياة ما دام الإطار العام منضبطا بالشرع، فهناك من يصلح للعمل المكتبي اليومي، وهناك من يبدع في التعليم، أو الدعوة، أو العمل الجزئي، أو العمل المرن، وكل ذلك داخل دائرة المباح بل والمندوب أحيانا.

رابعا: ضغط الوالدين والمجتمع:
• الوالدان: ضغطهما غالبا نابع من خوف حقيقي لا من تقليل لقيمتك، هم ينظرون للحياة من زاوية الأمان المادي والاستقلال عند الأزمات، وهذا مفهوم، لكن الإشكال حين يختزل النجاح في وظيفة فقط، وعليه فمن حقك أن تسمعي لهم وتحترمي خوفهم، ومن حقك أيضا أن تعبري بهدوء عن رؤيتك، وأن توضحي أنك لا تهربين من المسؤولية بل تختارين طريقا مختلفا، مع استعدادك للتعلم واكتساب مهارات قد تنفعك عند الحاجة.

• سؤال المجتمع: أما شعور الضيق الذي يعتريك عندما تسألين (ماذا تعملين؟) فهو شعور إنساني مفهوم، سببه أن المجتمع غالبا لا يعترف إلا بالمسارات التقليدية، فيشعرك من يسأل –ولو دون قصد– أن ما تفعلينه أقل قيمة؛ هنا تحتاجين إلى ترسيخ القناعة الداخلية؛ فكلما كنت واثقة من اختيارك، خف أثر نظرة الناس، وليس مطلوبا منك تبرير حياتك لكل أحد، ويكفيك جواب مختصر مطمئن مثل: أعمل في تعليم القرآن وأطلب العلم حاليا.

خامسا: الزواج والملل المستقبلي:
الجواب أن الملل لا يأتي من عدم العمل الوظيفي، بل من فراغ الروح وغياب الرسالة، والمرأة التي تدخل الزواج وهي صاحبة هدف، ورسالة، وعلم، وحب للعطاء، لا تكون فارغة ولا ضائعة، بل تكون أكثر نضجا واستقرارا.

ما ذكرته عن نيتك في دورات التربية، وحبك للأطفال، وتمنيك لأسرة كبيرة، يدل على تصور واضح لدورك المستقبلي، وليس على ضياع أو تردد، التربية نفسها عمل عظيم، يحتاج علما وصبرا ورسالة، وليس انتظارا بلا هدف كما يصوره البعض.

خلاصة الأمر:
ابنتي الكريمة، أنت لست كسولة، ولا مضيعة لنفسك، ولا فارغة، بل أنت في مرحلة بناء مختلفة عن الصورة النمطية، المطلوب منك فقط أن تظلي يقظة: تراجعين نيتك، وتقيمين وقتك، وتحرصين على الاستمرار في التعلم، وأن تكون لديك خطط بديلة لو تغيرت الظروف؛ حتى يطمئن قلبك وقلوب من حولك، فإن وجدت يوما أن الراحة تحولت إلى فتور، أو أن العزلة صارت هروبا، فحينها تعيدين النظر؛ للتأكيد بأنك صادقة مع نفسك أمام الله.

نسأل الله أن يشرح صدرك، ويثبتك على الخير، ويكتب لك حياة طيبة عامرة بطاعته، ويختار لك ما فيه صلاح دينك ودنياك.

مواد ذات صلة

الاستشارات