الشكوك العقدية بسبب القراءة في الفلسفة: كيف نقاومها؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا كشخص اطلع بدرجة ما على علوم النفس والإدراك العصبي، ومع شيء من الطرح الفلسفي، بدأت تراودني شكوك دينية أستعيذ بالله منها، ولا أستطيع تجاهلها أو صرفها عن ذهني، رغم نفوري منها ورغبتي في التفكر في الوقت ذاته، أخشى أن أكون من المنافقين بسبب هذه الشكوك.

في أحد الأيام اشتدت علي هذه الأفكار، وكلما حاولت مقاومتها، حضرني ما أعرفه عن آليات الإدراك العصبي؛ وكيف أن هذا النفور قد يكون ناتجا عن خوف الإنسان من التخلي عن فكرة ذات مكانة عالية في بنيته الذهنية، حفاظا على استقرار نموذجه النفسي والمعرفي، ومن أجل تفادي التغير، ينشأ ما يعرف بالتحيز التأكيدي، وهو ما قد يدفع الإنسان إلى اختلاق مبررات للإبقاء على معتقداته السابقة بدل السعي الصادق لإدراك الحقيقة.

حينها، نطقت الشهادتين، وذهبت لصلاة الفجر خوفا من أن أكون قد خرجت من الدين، مع أنني لم أكن متيقنا من حالتي النفسية حينها: هل هو يقين أم خوف؟

فسؤالي: كيف أصنف في هذه الحالة؟ هل أعتبر مسلما، أم مرتدا، أم منافقا، أعوذ بالله من ذلك؟

علما بأنني أؤمن بأن الله عز وجل هو خالق السماوات والأرض، وأن محمدا عبده ورسوله، ورغم أن شعور الشك قد يطرأ علي أحيانا، إلا أنني في قرارة نفسي مقتنع بالشهادتين.

وشكرا لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Yassin حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع.

بداية نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يثبتنا وإياك على دينه الحق حتى نلقاه، وقد كان الرسول ﷺ يعلمنا بفعله صدق اللجوء إلى الله تعالى، والإكثار من دعائه أن يثبت قلوبنا، فكان يكثر ﷺ من قوله: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، وكان يقول: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.

فالإنسان يحتاج دائما إلى اللجوء إلى ربه ليعينه ويثبته، وهذا اللجوء إلى الله -جل شأنه- هو في حد ذاته عبادة جليلة وسبب للتثبيت، فـ قلوب بني آدم كلها ‌بين ‌إصبعين ‌من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء.

أما ما ذكرته -أيها الحبيب- فإننا نرى أن ما تعانيه إنما هي شكوك ووساوس لا تضرك في دينك، ولا تؤثر على عقيدتك، فكراهتك لهذه الوساوس دليل على وجود الإيمان في قلبك؛ إذ لولا وجود هذا الإيمان لما كنت تشعر بالقلق والاضطراب بسبب هذه الوساوس، وقد جاء بعض الصحابة إلى رسول الله ﷺ يشكو إليه أشياء يجدها في صدره، لا يريد أن يبوح بها لكراهته لها وخوفه منها، فقال له عليه الصلاة والسلام: ذاك صريح الإيمان.

فبداية نقول -أيها الحبيب-: أنت -إن شاء الله- على إسلامك وإيمانك، وهذه الوساوس لن تضرك، ولكنك مطالب شرعا مطالبة أكيدة بأن تأخذ بالأسباب لدفع هذه الوساوس عن نفسك، وأهم هذه الأسباب: الإعراض عنها، وتحقير هذه الأفكار، وعدم الاشتغال بها، فإذا فعلت ذلك فإنك ستنتصر عليها -بإذن الله-، وهي أفكار حقيرة لا شك في حقارتها؛ لأن مصدرها الشيطان؛ ولأنها تحاول أن تشكك في أشياء ثابتة ثباتا أعظم من ثبوت الجبال.

فالله -سبحانه وتعالى- يقول عن نفسه في كتابه الكريم: {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} [إبراهيم: 10]، فهل يجد الإنسان شكا في وجود هذا الخالق -سبحانه وتعالى- الذي خلق هذه المخلوقات الكبيرة والصغيرة؟ فمن خلق المخلوقات؟ كما قال الله تعالى في كتابه الكريم وهو يوجه إلينا هذا السؤال: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون} [الطور: 35-36]، فمن يقدر على الإجابة على هذه الأسئلة؟

والدين الإسلامي -أيها الحبيب- بعقائده لم يبن على مجرد عادات ورثناها عن الآباء والأجداد، وإنما هو دين قائم على الأدلة والبراهين الساطعة، الدالة على صحة ما جاء به رسول الله ﷺ.

فلا تلتفت إلى هذه الوساوس التي تحاول أن توهمك بأن ما تفعله من الثبات على دينك، أو الخوف من هذه الوساوس عندما ترد إليك إنما هو "تحيز تأكيدي" كما سميته أنت، أو غير ذلك؛ فدينك مبني على براهين ساطعة، سواء كانت هذه البراهين على وجود الخالق -سبحانه وتعالى- أو على صدق النبي ﷺ فيما جاء به من النبوة والرسالة.

والقرآن لا يزال يتحدى خصومه منذ أن أنزله الله تعالى على نبيه ﷺ إلى اليوم، وسيبقى هذا التحدي إلى قيام الساعة؛ أن كل من حاول أن يشكك فليأتنا بقرآن مثل هذا القرآن الذي جاء به محمد ﷺ، عجزت العرب بفصحائها وبلغائها وشعرائها عن الاستجابة لهذا التحدي، فكيف يصح بعد ذلك أن تظن أنت بأن ما أنت عليه من العقائد إنما هو موروث ورثته عمن قبلك؟

نحن ننصحك بـ:
• طلب العلم الشرعي النافع.
• والابتعاد عن الفراغ.
• وعدم الاسترسال مع هذه الوساوس.
• والاستعاذة بالله تعالى عندما تداهمك هذه الأفكار.
• والإكثار من ذكر الله تعالى.
• والإكثار من مجالسة الصالحين الطيبين وقضاء الأوقات معهم والاستفادة منهم.

فكل هذا من شأنه -بإذن الله تعالى- أن ينجيك ويخلصك من شر هذه الوساوس.

نسأل الله أن يصرف عنا وعنك كل مكروه.
_______________________
انتهت إجابة د. أحمد الفودعي -استشاري الشؤون الأسرية والتربوية-،
وتليها إجابة د. مأمون مبيض -الاستشاري النفسي-.
_______________________

نرحب بك -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال، والذي ينم عن ثقافة واطلاع لا بأس بهما، وواضح من خلال مفرداتك أنك تقرأ وتحاول أن تطلع على العلوم النفسية.

أخي الفاضل: إن ما وصفته هو حالة نموذجية لما يعرف بـ"الوسواس القهري" أو "الأفكار القهرية" باختصار (OCD) ومن طبيعتها أن تأتي للإنسان أفكار سلبية لا تنم عما يعتقده، يحاول جاهدا دفعها إلا أنها تلح عليه إلحاحا، وكلما حاول صرف ذهنه عنها أتته مجددا، وهي مؤلمة مزعجة له؛ لأنها في الغالب تعاكس أفكاره ومعتقداته الحقيقية.

وغالبا ما تأتي هذه الأفكار الوسواسية القهرية فيما يتعلق بالدين، ولكن دعني أؤكد لك أن هذه الأفكار الوسواسية لا تدل أبدا على ضعف الإيمان عندك، أو -لا سمح الله- عن خروجك من الدين؛ فواضح من سؤالك أنك تؤمن بالله عز وجل خالق السماوات والأرض، وأن محمدا ﷺ عبده ورسوله.

فاطمئن -أخي الفاضل- من هذه الناحية، ولكن علينا أن نقوم بتشخيص الحالة بشكل جيد، ولا شك عندي أنها حالة من الوسواس القهري، وهي كثيرا ما تأتي في مثل هذا العمر الذي أنت عليه.

فإذا ماذا علينا أن نفعل؟ هناك طريقان أخي الفاضل:

الطريق الأول: أن تستمر في دفع هذه الأفكار، مذكرا نفسك بأنها أفكار قهرية لاإرادية، وهي لا تشير إلى ضعف الإيمان عندك، وبالتالي يمكن أن تخف من خلال الزمن، وهذا يحصل مع كثير من الناس.

الطريق الثاني: هو أن تلجأ إلى العلاج الطبي النفسي؛ فالوسواس القهري أصبح معروفا، والحالة النموذجية هي ما ذكرته في سؤالك، فأصبح التشخيص سهلا، والعلاج أيضا ميسرا؛ سواء العلاج الدوائي بأحد الأدوية المضادة للوسواس القهري -وهي على فكرة لا تسبب الاعتياد أو الإدمان-، أو من خلال العلاج المعرفي السلوكي الذي يقوم به طبيب نفسي أو أخصائي نفسي.

يمكنك -أخي الفاضل- أن تبدأ باستشارة أخصائي نفسي موجود عندك، سواء في المدرسة أو الجامعة -حيث لم تذكر لنا مستوى دراستك- ولكن يمكنك أن تستفيد من الخدمات الموجودة في المدرسة أو الجامعة، وهم بالتالي سيرشدونك إلى الطريق الصحيح.

أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية والتوفيق.

مواد ذات صلة

الاستشارات