السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة أبلغ من العمر 23 سنة، وكان المفترض أن أتخرج من الجامعة، لكنني لم أنجح في ثلاث مواد من برنامجها، لم أجد نفسي في القسم الذي التحقت به مكرهة برغبة والدي، بحجة أن يتقدم لي الزوج المناسب من أصحاب الكليات المرموقة في نظر المجتمع، فدفعت أنا ضريبة ذلك بالرسوب، والله المستعان.
حاليا، وبعد أن انتهيت من الجامعة، لا أستطيع المذاكرة للتخلص من هذه المواد، وإحداها تخص علم التشريح، مع أنني كنت في القسم الأدبي في المرحلة الثانوية.
حياتي تتلخص في النوم، والجلوس على الهاتف، وإضاعة الوقت في تصفح الإنترنت من لحظة استيقاظي إلى أن يحين وقت نومي، لا أصلي الفجر في موعده، وليس لي أوراد من أذكار الصباح والمساء أو تلاوة القرآن.
كما أنني مقصرة في علاقاتي الاجتماعية كثيرا؛ لا أتفقد أحوال أحد، ولا أسأل عن أحد، ولا أستطيع إجراء حوار، فأغلب ردودي تنحصر في: "لعله خير" أو "الله المستعان"، ولست من الفتيات اللاتي يتمتعن بروح وجاذبية، ولا أملك عذوبة في الألفاظ.
يتقدم لي الخطاب دائما، لكن لا يتم الأمر، إذ يرفضون رغم أنني من بيت طيب، وذات دين، وعلى قدر من الجمال، ويبدون استبشارا برؤيتي مما يوحي بوجود قبول، لكن سرعان ما ينتهي الأمر بالرفض.
أنا متخبطة ولا أدري أين الخلل! وقد مللت كشف وجهي أمام الرجال بلا فائدة، ومع يقيني التام أن كل ما يحدث هو خير، وأن الرفض ثمرة الاستخارة، وأحمد الله على كل حال، إلا أن هناك نقطة عميقة تؤلمني وهي أن أرفض.
أصبح جلوسي مع الرجال مجرد إكمال عدد لا أعرف آخره، والرد معلوم ومختوم بالرفض، ومع ذلك لا يحق لي أن أرفض الجلوس مع من لا تروقني مواصفاته، لأنني في النهاية مرفوضة، فعلام أتشرط! وجودي في هذا الأمر مفعولا به.
أطلب منكم نصيحة شاملة لما ذكرت، واقتراحات لأنشطة أقوم بها، وكتب أبني بها شخصيتي وتفيدني في علاقاتي الاجتماعية، ونصحكم العام فيما ذكرت.
جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ B.A حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، ونحيي فيك هذه الصراحة والوضوح في عرض مشكلتك، وهذا الوعي الذي دفعك للبحث عن التغيير، وهي أولى خطوات النجاح بإذن الله.
فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تمرين بمرحلة من الركود النفسي والفتور العام، نتيجة تراكمات بدأت بإجبارك على تخصص جامعي لا يناسب ميولك، ووصولا إلى شعورك بالإحباط في موضوع الخطبة والزواج؛ مما انعكس على علاقتك بربك وبمن حولك، ونحن هنا لنقف بجانبك، وننظر إلى الأمر من زوايا متعددة لنستكشف معا طريق الخروج.
أولا: دعينا نقف وقفة مع النفس والقدر، لقد آلمنا ما ذكرت عن شعورك بأنك تكملة عدد أو مفعول به في مجالس الخطبة، واعلمي -يا ابنتي- أن قيمتك عند الله وفي حقيقة نفسك لا تستمد من قبول أو رفض خاطب، بل هي مستمدة من تكريم الله لك كإنسانة ومؤمنة، إن تأخر الزواج أو تعثر الخطوات فيه ليس دليلا على نقص فيك، بل هو تدبير حكيم من رب العالمين، قال الله عز وجل في محكم كتابه: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة:216].
فلعل الله صرف عنك هؤلاء لأن فيهم ما لا تطيقين، أو لأنك في هذه المرحلة تحتاجين إلى ترميم ذاتك أولا لتكوني مستعدة لبناء بيت على أسس متينة، فلا تنظري إلى الرفض كإهانة، بل انظري إليه كـفلترة ربانية تزيح من طريقك من لا يستحقك أو من لا يناسبك.
ثانيا: ما يتعلق بالجانب الأكاديمي واليومي، إن مشكلة المواد المتبقية، خاصة مادة التشريح، تمثل ثقلا نفسيا لأنها تذكرك بالإجبار الذي تعرضت له، لكن دعينا نفكر بمنطق مختلف: أنت الآن على بعد خطوة واحدة من الحرية الأكاديمية، إنهاء هذه المواد ليس حبا في العلم الذي تدرسينه، بل هو جسر للعبور إلى مرحلة تختارين فيها ما تحبين.
ومن الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- هو كسر دائرة النوم والتصفح غير الهادف، إن استهلاك الوقت أمام الشاشات يستنزف الدوبامين في الدماغ؛ مما يجعلك تشعرين بالخمول وعدم الرغبة في فعل أي شيء (وهو ما يسمى أحيانا بالاحتراق النفسي البسيط).
عليك بالبدء بخطوات صغيرة:
• ابدئي بمذاكرة مادة التشريح لمدة عشر دقائق فقط يوميا، فالالتزام البسيط يكسر حاجز الخوف.
• لا بد من ضبط الساعة البيولوجية؛ فبركة اليوم تبدأ في الصباح الباكر، كما قال النبي ﷺ: بورك لأمتي في بكورها.
ثالثا: ما يتعلق بحياتك الاجتماعية والإيمانية، لقد لفت انتباهي قولك إنك لا تصلين الفجر في وقته وليست لك أوراد، الصلاة والذكر ليست مجرد واجبات، بل هي وقود النفس.
الشخصية التي تفتقد الروح والجاذبية غالبا ما تكون قد فقدت اتصالها العميق بمصدر السكينة، عندما يمتلئ القلب بالذكر، يفيض أثره على الوجه واللسان، فتظهر العذوبة والجاذبية الإيمانية التي لا تصطنع، يقول الإمام الشافعي في فضل الصبر وتصاريف القدر:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى *** ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج
رابعا: إليك بعض المقترحات العملية لبناء الشخصية:
• كتاب جدد حياتك للشيخ محمد الغزالي، وهو كتاب رائع يمزج بين تعاليم الإسلام وفن الحياة.
• آداب الألفة والأخوة والصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق، وهو أحد أرباع كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي.
• كتاب مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي.
• كتاب فاتتني صلاة لإسلام جمال، وهو مفيد في موضوع الصلاة والالتزام الإيماني.
• ممارسة المشي لمدة عشرين دقيقة يوميا في ضوء الشمس.
• البحث عن دورات قصيرة في الذكاء العاطفي أو فن الحوار.
• المشاركة في العمل التطوعي ولو كان بسيطا.
خامسا: نصيحة بشأن مجالس الخطبة: أنت لست مضطرة لأن تكوني مفعولا به، يحق لك شرعا وعقلا أن تسألي عن الخاطب قبل مجيئه، وإذا وجدت أن مواصفاته الأساسية لا تناسبك، فلك كامل الحق في الرفض قبل المقابلة؛ هذا سيمنحك شعورا بالسيادة على قرارك ويخفف من تكرار تجربة العرض والطلب التي تزعجك.
أخيرا: إذا استمر شعورك بالخمول الشديد وفقدان الاستمتاع بالحياة رغم محاولاتك؛ فقد يكون من المفيد مراجعة أخصائية نفسية للتأكد من عدم وجود بوادر اكتئاب بسيط ناتج عن ضغوط المرحلة، فالاستشارة المختصة هي نوع من الأخذ بالأسباب.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يملأ قلبك بالرضا واليقين، وأن يرزقك الزوج الصالح الذي يرى فيك قرة عينه وترين فيه قرة عينك، ويوفقك للتخرج والنجاح في حياتك العلمية والعملية.