السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جعل الله أعمالكم صالحة، ولوجهه خالصة.
مشكلتي تتمثل أساسا في عدم القدرة على الإنجاز، وتنفيذ المهام الخاصة بمسؤولياتي الأسرية والشخصية والمهنية، مع تبريرات واهية للتسويف، وتأجيل المهمة حتى تصل إلى مرحلة الخطر، أو الضغط الشديد، وربما أتفادى التنفيذ إذا كان الأمر يهمني شخصيا.
وكل عمل أبدؤه ربما لا أتمه، ويسرقني التحليل والجدل والتخوف من عدم الإتقان، ويمضي الأمر حتى أصل إلى مرحلة التهاون والإهمال، مع ما يصاحب ذلك من نزاعات مع الزوجة والزملاء، وحتى الجيران، بسبب عدم القيام بما يجب في الوقت المناسب من احتياطات وأمور لازمة، وتدخلاتي تنحصر أساسا في ما هو ضروري جدا وفي آخر لحظة.
في داخلي أفكار ومشاريع وأحلام لا تحصى، ولا تنتهي، ولا أقوم إلا بما يندرج ضمن تلبية الاحتياجات الأساسية.
ملابسي غير أنيقة وغير مرتبة، ولا أستطيع شراء ملابس جديدة، وأجد مقاومة شديدة في الذهاب للتسوق لشراء الملابس لي ولأولادي، إلا ما اضطررت إليه تحت إلحاح الزوجة، وهذه الحالة مشابهة لحالات الإصلاحات المنزلية، والسفر، وصلة الرحم، والمناسبات السنوية كشراء أضحية العيد وغيرها من مستلزمات الحياة.
أعاني من فرط التفكير والخوف، حتى إنني أصبت بنوبات هلع، تنتابني من فترة لأخرى تحت ضغط التخوفات المستقبلية أو حتى المعايشة.
أهمل كل عمل أو إنجاز بتفويت الفرص، والتفريط في الحقوق، وحتى التنازل عن الكرامة، مقابل عدم التنفيذ أو الإنجاز أو الشروع في المهام والمسؤوليات.
صفاتي أنني محبوب، وضحوك، وكثير التشكي، وكثير التحليل الفكري والجدل، وفي داخلي رغبة في الانعزال والانزواء، وسريع التخلي عن حقي خوفا من المواجهة، وكثير الدعاء، وأعاني من وسوسة العين والحسد والسحر.
أعينوني جزاكم الله خيرا، وأدام عليكم عافيته وستره.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكر لك طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويعافيك، ويعينك على نفسك، وما ذكرته يدل على معاناة حقيقية، تحتاج إلى فهم متوازن يجمع بين الشرع والنفس والواقع، لا إلى لوم أو قسوة على الذات.
ما تصفه لا يدل على ضعف إيمان، ولا على قلة حرص، بل يجتمع فيه تسويف مزمن، وخوف من الفشل، وتمنيات لتحقيق الكمال، مع قلق واضح وصل أحيانا إلى نوبات هلع، وهذا ينعكس على سلوكياتك اليومية ومسؤولياتك الأسرية والاجتماعية، ويزيد الأمر ثقلا حين تختلط هذه الحالة بالوساوس المتعلقة بالحسد والسحر، فتعطى المعاناة تفسيرا غيبيا صرفا، مع أن أصلها في الغالب نفسي سلوكي يحتاج علاجا وأخذا بالأسباب.
ومن رحمة الله أن الشريعة الإسلامية تحث على القيام بالمسؤوليات، وعدم تضييع الحقوق، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، وقال النبي ﷺ: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، كما أن التوكل الصحيح لا يعني ترك السعي، بل الجمع بين الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله، والتقصير المتكرر مع القدرة عليه لا يرفع بالإكثار من الدعاء وحده دون عمل.
ومن الناحية النفسية، فإن كثرة التحليل والخوف من عدم الإتقان، تؤدي غالبا إلى الشلل لا إلى الإنجاز، فيدخل الإنسان في دائرة مغلقة: خوف ثم تأجيل، ثم ضغط وذنب، ثم مزيد من الخوف، كما أن نوبات الهلع وفرط التفكير مؤشرات لا ينبغي إهمالها أو تفسيرها فقط بالعين أو السحر، بل تحتاج تقييما مهنيا.
أما اجتماعيا وأسريا، فاستمرار هذا النمط يرهق الزوجة، ويضعف الثقة، ويؤدي إلى نزاعات متكررة، وقد يفقدك فرصا وحقوقا وكرامة كما ذكرت، وهو ما يزيد شعورك الداخلي بالعجز والرغبة في الانسحاب.
والحل يبدأ بخطوات عملية واقعية، لا مثالية ولا مؤجلة تتمثل في معرفة أن أول ما يلزمك هو الاعتراف بأن المشكلة ليست كسلا ولا فساد نية، بل هي نمط يحتاج علاجا، وهذا في حد ذاته قوة لا ضعف، ثم المبادرة بمراجعة مختص نفسي، أو طبيب أسرة، لتقييم القلق ونوبات الهلع، فالعلاج السلوكي -وأحيانا الدوائي- يحدث فرقا كبيرا بإذن الله.
- اجعل معيارك في الإنجاز هو الحد الكافي، وليس الإتقان الكامل، فالعمل الناقص خير من العمل المؤجل.
- ابدأ بمهام صغيرة جدا ومحددة بزمن قصير، ولو عشر دقائق، ولا تفكر في المشروع كله.
- اكتب المطلوب منك يوميا في ورقة واحدة، واختر مهمة واحدة فقط تنجز مهما كان مستواها.
- اتفق مع زوجتك على توزيع واضح للمسؤوليات، واطلب دعمها لا ضغطها، وكن صريحا معها بحاجتك للمساندة لا للمواجهة.
- عود نفسك على المواجهة التدريجية، وامتنع عن التنازل عن حقوقك بدافع الهروب، فالهروب يزيد الخوف ولا يزيله.
أما ما يتعلق بالوساوس، فاحرص على الأذكار الثابتة، والرقية الشرعية، دون تعليق كل عجز عليها، فالنبي ﷺ كان يرقي ويتداوى، ولم يجعل أحد الأمرين بديلا عن الآخر، وداوم على الدعاء مع العمل، ومن أنفع ما يقال الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل).
نسأل الله أن يكتب لك العافية، وأن يخرجك من هذا الضيق إلى سعة الصدر وحسن العمل.