السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مرضت والدتي ودخلت المستشفى، ثم نقلت إلى غرفة العناية المركزة ووضعت على جهاز التنفس الاصطناعي، وبعد يوم بدت وكأنها استعادت وعيها، وكانت تشير إلي كأنها تطلب فصل الأجهزة عنها، وتمسك بيدي محاولة النهوض، إلا أن الطبيب أكد أن حالتها لا تزال حرجة.
وفي اليوم ذاته انقطع أنبوب التنفس وتوقف قلبها، وبدا جسدها وكأنه فارق الحياة، ولكن بعد تدخل الطبيب عاد النبض مجددا، وفي ليلة الجمعة، فاضت روحها إلى بارئها إثر توقف القلب.
يطاردني شعور بالذنب لأنني لم أفهم إشاراتها، وأخشى أن أكون سببا في وفاتها، فأرجو منكم الرد.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارة إسلام ويب.
أولا: عظم الله أجرك ورحم الله أمك، ونسأل الله تعالى أن يكتب لها أجر ما أصابها من مرض، وأن يجعل ذلك كفارة لذنوبها ورفعة لدرجاتها.
ثانيا: ينبغي أن تعلم -أيها الحبيب- أن الموت مؤجل؛ كتب الله تعالى له أجلا لا يمكن أن يتقدم عليه ولا أن يتأخر عنه، كما قال الله في كتابه: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}.
فينبغي أن تدرك أن كل شيء بقضاء الله تعالى وقدره، وأنه قد كتب كل شيء -سبحانه وتعالى- قبل أن يخلق السماوات والأرض، وأن أعمارنا وآجالنا قد كتبها الله قبل أن نخرج إلى هذه الدنيا، وقد قال الرسول ﷺ وهو يتكلم عن كتابة الأقدار: رفعت الأقلام وجفت الصحف، وقال: جف القلم بما أنت لاق يا أبا هريرة.
وإيمانك بهذه الحقائق وجزمك بها ويقينك بها، يطرد عنك الحسرات والأسى والأسف على ما وقع؛ كما قال الله في كتابه الكريم: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم}.
وأخبرنا ﷺ أن قول الإنسان: "لو أني فعلت كذا، لو أني فعلت كذا" لن يغير من حقائق الأمور شيئا، ولن يغير في الأقدار، ولكنه يفتح على الإنسان عمل الشيطان، فقط من التحسر والتندم والتسخط على القدر، ونحو ذلك من الأشياء المحرمة التي لا يريدها الله تعالى من هذا الإنسان.
فإذا أيقنت بهذه الحقائق طاب قلبك، واستقبلت المصيبة بنفس راضية، وقلب مطمئن، واحتساب لما عند الله تعالى من الثواب والأجر.
ثالثا: نحن لم نر في ما ذكرته -أيها الحبيب- أي إشارة تشير إلى أنك تسببت في وفاة أمك؛ ومن ثم ننصحك بأن تطرد عنك هذه الأفكار، وأن تشتغل بالشيء النافع، عملا بإرشاد الرسول الكريم ﷺ حين قال: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز.
فالذي ينفعك -أيها الحبيب- هو أن تكثر من الاستغفار لأمك، وتكثر من الدعاء لها؛ فهذا ينفعها -بإذن الله- كما دلت على ذلك الأحاديث النبوية الكثيرة، وإن استطعت أن تتصدق عنها، فالصدقة تصلها بإذن الله تعالى، فاجتهد فيما ينفعك وينفعها، ودع عنك هذه الأفكار التي يحاول الشيطان أن يحزنك بها، فهي أغلى أمنياته، كما قال الله عنه: {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا}.
فاحذر من أن تدع للشيطان مجالا يدخل به إلى قلبك ليغرس فيه الحزن والكآبة؛ استقبل مقادير الله تعالى وما نزل بك بنفس مطمئنة، راضية، محتسبة للأجر والثواب عند الله.
نسأل الله أن يوفقك لكل خير.