السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة، عمري 23 عاما، وأنا الكبرى لوالدتي، ولي إخوة أكبر مني اثنان: ولد وبنت من أبي، نعيش مع والدنا، وهو شخص ظالم وسيئ المعاملة معنا ومع والدتي، كثير السب والإهانة، ولا يتورع عن الظلم في الأمور المادية والمعنوية، يضغط علينا نفسيا، ويتدخل في تفاصيل حياتنا بشكل مؤذ، وأحيانا يمنع عنا حقوقنا، أو يستغلنا لخدمته، دون مراعاة لظروفنا، حاولنا نصحه أكثر من مرة بأسلوب هادئ واحترام، لكن دون فائدة، بل تزداد الأمور سوءا.
ومن أكثر الأمور التي تؤذينا أنه يحلف بالطلاق كثيرا على أمور تافهة، ومنها أنه يحلف بالطلاق على الطعام دون سبب واضح، ويمنعنا من تذوقه أو أكله لأيام طويلة، وأحيانا يفسد الطعام أو نكون محتاجين إليه، ويهددنا بأن زوجته تطلق إذا خالفنا كلامه.
فهل يجب علينا شرعا ألا نتذوق الطعام الذي يحلف عليه؟ وهل يقع الطلاق فعلا إذا أكل أحد منا منه، أم يعد هذا من باب اليمين فقط؟
إضافة إلى ذلك: هو يدخر راتبه في البنك ولا يصرف على نفسه ولا علينا، ويطلب منا المال رغم أننا في وضع مادي صعب ولا نملك ما نعطيه.
ووالدتي موظفة حكومية، وهي التي تتحمل مصاريف البيت، وتدفع لنا رسوم الجامعات، بل وحتى إخوتي من طليقته السابقة كانت أمي تصرف عليهم أيضا، بينما هو لا يكترث ويرمي كل الحمل على أمي، وهي صابرة وراضية بذلك، فمن أين نأتي له بالنقود؟ وهل نحن آثمون إذا لم نعطه المال في هذه الحالة؟
ومع أن والدي يقوم الليل ويقرأ سورة البقرة مرتين، إلا أنه يسيء إلينا وإلى الجيران، ولا يحسن معاملتهم، ولا أفهم سبب هذا التناقض، فما الحكم الشرعي في التعامل مع والد بهذه الصفات؟ وهل يجب علي طاعته في كل شيء رغم ظلمه؟ وهل يجوز لي أن أضع حدودا في التعامل معه أو أبتعد عنه إذا كان بقائي معه يسبب لي أذى نفسيا شديدا؟ وما هو واجبي الشرعي تجاهه حتى لا أكون عاقة له، وفي الوقت نفسه أحمي نفسي من الظلم؟
أرجو الإفادة، وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ إسراء حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع.
بداية نقول -أيتها البنت العزيزة-: إن حق الوالد عظيم، وقد جعل الله -سبحانه وتعالى- حق الوالدين قرينا لحقه سبحانه وتعالى، فقال: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء:٢٣]، ومهما بلغت إساءة الوالد إلى ولده، فإن الولد مأمور بإحسان المعاملة بقدر استطاعته مع والده؛ امتثالا لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ [لقمان:١٥].
ففي مثل هذه الحالة التي يكون الوالد فيها مجرما محاربا لله ولدينه، ويبذل أقصى ما في وسعه في محاربة ولده، ومحاولاته لحرفه وصرفه عن دينه، فإن الله تعالى في هذه الحالة أمر الولد بأن يتمسك بالدين ولا يطيع الوالد في المحرم والمعصية، ولكنه أمره مع ذلك كله بإحسان المعاملة مع الوالد، قال: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾.
وبهذا يتبين لك عظيم حق الوالد على ولده، فالوالد كان سببا في وجود هذا الولد في هذه الدنيا، فكل نعمة ينعم بها الإنسان فهي في الحقيقة فرع عن نعمة الوجود، ونعمة الوجود كان الوالد سببا فيها؛ لهذا قال الرسول ﷺ: لا يجزي ولد والدا، فلا يقدر الولد على رد الجميل إلى الوالد ومكافأته بإحسانه إليه، ولكن هذا لا يعني أن نطيعه في كل ما يأمر به، بل الطاعة مقيدة بألا تكون في معصية الله، كما قال الرسول ﷺ: لا طاعة لمخلوق في معصية الله.
هذه الضوابط العامة -أيتها البنت الكريمة- تحدد لك كيفية التعامل مع الوالد، ومخالفة الوالد لا تعتبر عقوقا إلا إذا كان يتأذى بهذه المخالفة أذى معتبرا عند الناس، بحيث يرى الناس أنه معذور في هذا التأذي، وأن تأذيه بهذا الفعل ليس مجرد حماقة منه، فهذا هو الضابط الذي يضعه الفقهاء لمعرفة عقوق الوالد المحرم، وبهذا تستطيعين -بإذن الله تعالى- الحكم على كثير من الجزئيات التي تتساءلين عنها، والتي لا يتسع الوقت للإجابة عنها تفصيلا كلا على حدة.
ولا يجوز للولد أن يهجر والده ويمتنع عن معاشرته وصلته ونحو ذلك من الأمور التي يجري بها العرف، فصلة الرحم واجبة، وأولى الرحم بالوصل الوالدان.
ولا يجب على الولد أن يبذل ماله لوالده ما دام هذا الوالد غنيا بماله، ولا يجب عليه أن يطيعه إذا أمر بشيء تكون مخالفته غير مؤذية للوالد أذى بينا معتبرا عند الناس.
وأما الحلف بالطلاق، فهذا أمر راجع إلى نيته عند كثير من العلماء؛ فإذا نوى وقوع الطلاق يقع، وإذا نوى اليمين فهي يمين، وكثير من العلماء يرى بأن الطلاق يقع مطلقا سواء قصد اليمين أو لم يقصد، وإنما نقول هذا الكلام حتى تعلمي أن مسائل الطلاق لا بد فيها من أن يكون هو السائل، وأن يتوجه إلى من يفتيه ويبين له ما صدر منه وما هي نيته.
خير ما نوصيكم به -ابنتنا الكريمة- هي الاستمرار وتكرار المحاولة في نصح الوالد، وتذكيره بالله -سبحانه وتعالى- وإبداء حرصكم على طاعته ومصلحته، ومحاولة استمالة قلبه بكل ما من شأنه أن يؤثر عليه من المواعظ، أو بتسليط من له كلمة مقبولة عنده، ولا تيأسوا من هذا؛ فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
أكثروا من دعاء الله -سبحانه وتعالى- واستعينوا به على إصلاح الحال، ولن يخيب الله تعالى مساعيكم.
نسأل الله تعالى أن يقدر لكم الخير.