أحب التصدق باستمرار رغم عدم كفاية الراتب أحياناً..فما توجيهكم؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعمل براتب جيد -ولله الحمد- وكذلك زوجتي، وأحب التصدق باستمرار، ولكن في بعض الأوقات لا يكفينا الراتب حتى نهاية الشهر، فأضطر للاقتراض من العمل لقضاء احتياجاتنا المتبقية حتى موعد الراتب الجديد.

إن من قناعاتي الراسخة أن ما أنفقته من مال في حال الضيق سيخلفه الله علي في الدنيا والآخرة، وقد لمست أثر ذلك في حياتي، فكنت أعد الصدقة -حتى وإن كنت متعسرا- ضرورة أساسية لا تقل أهمية عن فواتير الإنترنت والماء والكهرباء، غير أنني سمعت من غير عالم أن بيتي وأهلي أولى بالمال من الصدقة، وأن "ما يحتاجه البيت يحرم على المسجد".

وسؤالي الآخر المرتبط بذات الموضوع: أنني حين أتصدق أخبر زوجتي بذلك لأن مالنا واحد، مع علمي بفضل إخفاء الصدقة، فهل فعلي هذا صحيح؟

أنتظر ردكم، وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مروان .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، كما نشكر لك همتك العالية وحرصك على فعل الخيرات والتقرب إلى الله رب البريات بأنواع الصدقات، وهذا من حسن إسلامك ومن توفيق الله تعالى لك، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يزيدك هدى وصلاحا وتوفيقا وسدادا.

ونحب أولا -أيها الحبيب- أن نبشرك بالبشارة النبوية العظيمة التي دلت عليها أحاديث كثيرة من أحاديث الرسول ﷺ، وهي أن الإنسان قد يبلغ بنيته وعزمه من الخيرات ما لم يبلغه بعمله؛ فقد قال ﷺ: إنما الدنيا لأربعة نفر ذكر منهم الأول: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل قال فيه: رجل آتاه الله مالا وعلما والثاني: رجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته قال: فهما في الأجر سواء....

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا، وهذا من فضل الله تعالى وواسع كرمه وعطائه لنا أن يبلغنا بنياتنا الخيرة ما لم نقدر عليه في أفعالنا.

ثم نقول ثانيا -أيها الحبيب-: اعلم أن النفقة على الأبناء والبنات والأقارب هي أيضا من أعظم الصدقات؛ فقد قال الرسول ﷺ في صحيح مسلم: أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على عياله، وجاء أيضا في صحيح مسلم في حديث آخر في صدد عدد أنواع أو أبواب الصدقات، قال ﷺ: دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك.

فهذه الأحاديث وأمثالها كثير تبين لك أن الصدقة لا تقتصر -كما يظنه كثير من الناس في الصدقة- على المسكين الأجنبي، بل أعظم أنواع الصدقات أن ينفق الإنسان على ذي قرابته وأهله؛ فإن الصدقة عليهم قربة من جهتين: من جهة أنها صدقة، ومن جهة أنها صلة.

وجاءت أحاديث كثيرة في ترتيب أنواع الصدقات، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال في شأن الرجل الذي أعتق عبده عن دبر -أي دبره بأن قال له: إذا مت فأنت حر- ولم يكن له مال غير هذا العبد، فلما سمع النبي ﷺ بهذا دعاه، ثم قال له: ألك مال غيره؟ قال: لا، فقال عليه الصلاة والسلام: من يشتريه مني؟، فأبطل هذا التصرف الذي تصرفه هذا الرجل، وباع هذا العبد بثمانمائة درهم -كما جاء في الحديث- ثم دفعها إليه قائلا له: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا، قال الراوي: يعني بين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك.

فالأحاديث كثيرة -أيها الحبيب- لو ذهبنا نتتبعها، التي بين فيها الرسول ﷺ ترتيب الأولويات في باب الصدقات، وأن من أولها الإنفاق على الأقارب وعلى الزوجة؛ فهي نفقات مطلوبة شرعا، وهي صدقات، وهي صلات، ولهذا تضاعفت أجورها وكثرت.

ولا يجوز للإنسان أن يتصدق بما يحتاجه عياله ومن يلزمه أن ينفق عليهم، وهذا ما يقوله العلماء فيقولون: الصدقة بما يحتاجه العيال حرام؛ لأن فيه تضييعا لحق العيال، وقد قال الرسول ﷺ -والحديث في صحيح مسلم وغيره-: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت، يعني: أن يضيع من يعولهم وينفق عليهم، وإن كان بقصد حسن، بقصد أن يتصدق على غيرهم.

فينبغي للإنسان المسلم أن يعرف سلم الأولويات ليتقرب إلى الله تعالى بما هو أولى وأحب.

لكن إذا قدر الإنسان على ترشيد نفقاته بحيث لا ينفق نفقة المسرفين، ويعطي ذوي الأقارب ومن له عليه نفقة يعطيهم حقهم بما جرت به العرف والعادة، وفضل عن ذلك شيء وأراد أن يتصدق فهنا لا بأس، كما جاء في الحديث الذي ذكرناه لك قبل.

أما السؤال الثاني -أيها الحبيب- وهو أنه لا بد أن تخبر زوجتك إذا أردت أن تتصدق، فنعم؛ لا يجوز لك أن تتصدق بمال زوجتك إلا بإذنها.

وما ذكرته -أيها الحبيب- من أنك إذا أنفقت راتبك وراتب زوجتك تحتاج إلى أن تستدين وتستلف، فهذا يؤكد أن نفقاتك ينبغي أن تكون مقدمة على الصدقات؛ فلا تستدن وتستلف من أجل أن تتصدق، فإن الدين أمره شديد، وقد حذر النبي ﷺ منه تحذيرا بليغا.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك لكل خير، وييسر لك الخير، ويبلغك المراتب العالية بعزمك ونيتك.

مواد ذات صلة

الاستشارات