أرغب في دراسة الشريعة ووالداي يريدان الطب!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عندي غاية في نفسي أريد أن أحققها، ولكن الله -سبحانه وتعالى- لم يسخرها لي، وهي دراسة العلم الشرعي؛ وقد دخلت تخصص الطب رغبة من أهلي وليس مني؛ وذلك لأسباب أراها واهية مثل "المستقبل المادي"؛ لأن الطب له مستقبل مضمون أكثر من دراسة الشريعة، وهذه حقيقة في بلدي.

أنا دخلت هذا التخصص ليس قناعة مني، بل من أجل والدي ووالدتي، فلما طرحت عليهما رغبتي في دراسة الشريعة قبل دخولي للطب قالا لي: "إنك تستطيع الجمع بينهما"، وحقيقة أنا لا أستطيع، وهذا خارج قدراتي لأنني أرى الطب وحده ثقيلا جدا، فكيف بتخصصين؟ أو أنني أدرسها بعد التخرج، وأنا لا أريد هذا؛ لأنني سأكون كبيرا مقارنة بمن طلب العلم في سني حاليا، ولن أكون متفرغا، فربما أكون متزوجا وأعمل، وهذا هو الغالب وهو ما يزعجني.

فكرت أنني بعد انتهائي من السنة الأولى أنقل تخصصي إلى تخصص الشريعة، حتى لو لم يعلم أبواي في البداية؛ فكلما أردت أن أتكلم معهما بشأن الانتقال أعلم أنه من سابع المستحيلات أن يقبلا، وهذا موضوع مفروغ منه بالنسبة لهما.

أما عن وضعي المادي المستقبلي، فأنا عندي يقين بالله أنني لو لم أدرس الطب أو درسته فسوف يرزقني أكثر من تخصصي في الطب؛ وكلما قرأت الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي، والحديث النبوي: إنك لن تدع شيئا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرا منه، وحديث: من جعل الهموم هما واحدا، هم آخرته، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك؛ أتشجع في قراري هذا.

أفيدونا جزاكم الله خيرا، والله المستعان.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيك، وأن يحفظك من كل مكروه وسوء.

دعنا نجيبك من خلال ما يلي:

أولا: الرغبة في دراسة العلم الشرعي شرف، لكنها ليست وحدها طريق القرب؛ فمحبتك للعلم الشرعي وتمنيك أن تبدأ مبكرا، وخوفك من أن يفوتك الركب، كل ذلك مفهوم، لكن يجب أن تنتبه لقاعدة كبيرة يغفل عنها كثير من الصادقين: ليس كل من أحب علما لزمه أن يتخصص فيه أكاديميا حتى يكون عند الله مقبولا أو من أهل العلم.

العلم الشرعي منه ما هو طلب نجاة، ومنه ما هو طلب تخصص، ومنه ما هو طلب دعوة، ومنه ما هو طلب تزكية، وكثير من كبار العلماء لم يبدؤوا مبكرا، وبعضهم لم يتفرغ أصلا إلا بعد سنين طويلة، وبعضهم جمع بين تخصص دنيوي وعلم شرعي فصار نفعه أوسع. الميزان هنا ليس: متى بدأت؟ بل: كيف صدقت؟ وكيف ثبت؟ وكيف انتفعت ونفعت؟

ثانيا: الطب ليس مجرد تخصص دنيوي كما تتصوره الآن، فأنت ترى الطب حملا ثقيلا، وهذا صحيح، لكنه ليس بالضرورة حملا بلا أجر، ولا بعيدا عن الآخرة، ولو درست الطب وأنت كاره له من حيث الجهد لا من حيث النية، واحتسبته خدمة للخلق، وسبيلا للرزق الحلال، ومجالا للرحمة، فقد تكون في عبادة طويلة المدى.

الخطأ ليس في دراسة الطب، بل في أن تدرسه وأنت تشعر أنك خنت الله، وهذا الشعور غير دقيق شرعا؛ فالله لم يوجب عليك التخصص في الشريعة، لكنه أوجب عليك بر الوالدين، والوفاء بالعهود، وعدم الغش، وعدم الإضرار بنفسك وبهم.

ثالثا: بر الوالدين هنا ليس مسألة ثانوية؛ فوالداك لا يعاندانك لهوى، بل من منطلق خوف عليك، وإن أخطأ في التقدير، ونقل التخصص دون علمهما، أو في صورة صدام، قد يحقق لك رغبة، لكنه قد يكسر قلبين، ويفتح باب عقوق، ويزرع مرارة في بداية طريقك، وهذا ثمن لا يستهان به، خاصة في طريق يراد به وجه الله، العلم الشرعي لا يطلب بمعصية، ولا يبنى على كتمان مؤذ، ولا يبدأ بجرح الوالدين.

رابعا: الأحاديث التي استشهدت بها حق، لكن تنزيلها يحتاج فهما؛ فنعم، الله عند ظن عبده به، ونعم، (من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه)، لكن هذه النصوص لا تعني أن كل ما نراه تركا هو ترك لله فعلا، ولا أن كل عوض يكون فوريا أو على الصورة التي نحبها.

أحيانا يكون العوض: صبرا ينضج القلب، أو طريقا أطول لكنه أرسخ، أو علما أعمق لا أسرع، أو بابا لم نكن نراه أصلا، ومن جعل الهم هما واحدا كفاه الله هم دنياه؛ نعم، لكن جعل الهم هما واحدا لا يعني إلغاء السنن، ولا كسر الواقع، ولا تجاهل الواجبات الأخرى.

خامسا: الخوف من فوات السن وهم يضخم الألم، فقولك إنك ستكون كبيرا مقارنة بمن بدؤوا الآن، هذا من أكثر ما يؤلمك، لكنه ليس معيارا شرعيا ولا واقعيا.

العلم لا يقاس بالسن، بل بالرسوخ، وكم من شاب بدأ مبكرا ثم انقطع! وكم من رجل بدأ متأخرا ففتح الله عليه فتحا عظيما!

الذي يفوت حقا ليس السن، بل الصدق والاستمرار، ونحن نعلم أساتذة في كليات الطب وهم من أهل العلوم الشرعية، ووفقهم الله للجمع بين هذين العلمين، ولعلك تكون أحدهم يوما ما إن شاء الله.

سادسا: ماذا أنصحك عمليا الآن؟
- أكمل هذه المرحلة من الطب بهدوء، لا على أنها نهاية الطريق، بل مرحلة.
- ابن لنفسك برنامجا علميا شرعيا واقعيا يناسب طاقتك الآن، لا مثاليا يرهقك.

نسأل الله أن يهديك لأرشد أمرك، وأن يجمع لك بين رضاه ورضا والديك، وأن يفتح لك من أبواب العلم ما يصلح به قلبك وحياتك، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات