السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسرة الموقع الأكارم:
أنا شاب في الحادية والأربعين من عمري، أعزب، أعيش مع والدتي التي تبلغ قرابة الثمانين عاما، وهي في صحة متردية جدا وتعاني من الزهايمر (داء النسيان)، أدام الله عليكم الصحة والعافية.
إخوتي الذكور أطباء ومهندسون، حالتهم المادية ممتازة وهم مغتربون، وكذلك الحال بالنسبة لأخواتي الإناث، وأنا الأصغر بينهم، ومن سوء حظي أني مريض بالاضطراب ثنائي القطب، لكنني معافى منذ سنين طويلة بفضل الله، غير أني لا أعمل بسبب الحرب التي حرمتني بيتي وأحلامي وأصدقائي، وزادتني فقرا وحزنا.
لدي رغبة متقدة في الزواج، لكنني فقير لا أملك منزلا ولا عملا، أعيش في منزل اشتراه أخي لأجل أن أسكن فيه أنا وأمي العاجزة حتى وفاتها، وأنا أعلم أن أخي سيطردني من منزله ويقوم ببيعه، فقد أخبرني بذلك، وأمي تنازلت عن ميراثها لأخي صاحب المال، وحرمتني، مع أني أنا من ضحيت بحياتي من أجلها، حتى منعت نفسي من السفر وتحقيق سنة الله وأحلامي، كما فعل باقي رفاقي.
أنا -والحمد لله- حافظ للكتاب والسنة، مداوم على حضور المساجد، وصلاتي المفضلة هي الفجر، خصوصا عند انخفاض الحرارة وصعوبة الوصول إلى المساجد، لما أعلم من عظيم أجرها.
أعلم أنه يجب علي الصبر على حالتي من المرض والفقر، وحتى أهلي عندما أخبرتهم أني أريد الزواج يوما ما وأنا أكبر سنا، لم يهتموا.
مع العلم أن إخوتي الاثنين الأطباء، قد طلقوا وتزوجوا من جديد، بسبب الترف، وتزوجوا من زوجات صغيرات في العمر، أما أنا فما زلت أنتظر فضل الله ورحمته، لكن يبدو أني سأبلغ الخمسين من عمري وسأبقى بلا منزل ولا عمل ولا مال، ولن تقبل بي أي فتاة في ذلك الوقت للأسف، فقد مر العمر سريعا.
الضغوط والحزن الشديد وحالة الاكتئاب التي لم أستطع الخروج منها، سببت لي مؤخرا ألما في قفصي الصدري، ويبدو أنه في عضلة القلب، قرأت أن الحزن قد يسبب أحيانا أمراضا في القلب.
ما حكم بلاء الله بالعقل والقلب معا؟ إذا كان ربنا قد فضلنا بالعقل والقلب، وهذا هو تعريف المؤمن، فقد فسد عقلي بسبب المرض والحزن، والآن قلبي لم يعد يتحمل الظلم.
أشاهد غيري يعيشون أحلامي، وأنا أعلم أن الآخرة هي دار القرار، لكن (والله يا شيخ) أناشدك بالله أن تشرح لي: كيف يعطي الله بعض الناس مرتين في الدنيا من النساء والحظ، دنيا وآخرة، ويحرم آخرين، وقد يعطيهم أو لا يعطيهم؟
يا شيخ، أنا أعلم أنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لكني الآن -للأسف- بدأت أفقد إيماني.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ صابر .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الحبيب- في استشارة إسلام ويب، أولا نشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يخلف عليك كل ما فاتك، وأن يثيبك ويأجرك في كل ما أصابك، وأن يفتح لك أبواب الخيرات.
ثانيا: نكرر -أيها الحبيب- التذكير بما ذكرت به نفسك أنت، وختمت به سؤالك، وقد أخبرت بأن الله سبحانه وتعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، أي أنه -سبحانه وتعالى- صاحب المشيئة النافذة، وهذه المشيئة وفق الحكمة الإلهية، والعلم الكامل، والرحمة التامة، واللطف الإلهي، فالله تعالى لا يفعل شيئا عبثا، ولا يقدر شيئا سدى، وما يقدره لعبده المؤمن يقدره -سبحانه- برحمة وحكمة ولطف وعلم.
فعطاؤه -سبحانه وتعالى- رحمة، ومنعه رحمة، فالإنسان المؤمن الذي عرف ربه، وعرفه بهذه الأوصاف؛ يتلقى أقداره بالرضا والتسليم، والصبر على ما يؤلم؛ لأنه يعلم أن ربه الكريم، وإلهه الرحيم، أرحم به من نفسه، وأعلم بمصالحه، وأنه لا يقدر عليه شيئا إلا بمقتضى هذه الرحمة والحكمة.
فذكر نفسك -أيها الحبيب- بهذه المعاني دائما، واعلم أن البلاء قد ينزل بأحب الناس إلى الله تعالى وأقربهم إليه، فهو يبتلي أنبياءه ورسله، وهم سادة أحبابه، وأنت تقرأ في القرآن نماذج عديدة لمن ابتلاهم الله في أجسادهم، أو في أموالهم، أو في أولادهم، وهذه النماذج ظاهرة واضحة، فأنت تقرأ قصة أيوب، وتقرأ قصة يعقوب، وقصة يوسف، وغير ذلك من أخبار أولياء الله تعالى وأنبياءه.
بل جعل الرسول ﷺ البلاء قرينا لاختيار الله تعالى للإنسان، وقال: يبتلى الناس على قدر دينهم، الأمثل فالأمثل، والدنيا يعطيها الله تعالى لكل أحد من الناس، الكافر والمؤمن، والبر والفاجر، من يحبهم الله ومن يكرههم، فليست مقياسا لكرامة الإنسان عند الله ولا لمنزلته، بل قد قال الرسول ﷺ: لو كانت الدنيا تعدل/تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء.
وكان الرسول ﷺ ينام على حصير حتى يؤثر في جنبه، فدخل عليه عمر يوما فرآه بهذا المنظر فبكى، وقال له: يا رسول الله، أنت فيما أنت فيه، أنت تنام على حصير حتى يؤثر على جنبك، وكسرى وقيصر فيما هم فيه -يعني ينامون على الحرير والديباج- فقال له رسول الله ﷺ: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة.
فهذه النظرة الإيمانية التي ينظر بها أولياء الله وأحبابه، لا يتسخطون على أقدار الله لأنه لم يعطهم كما أعطى فلانا وفلانا، فإنهم يعلمون أن الله تعالى لا يمنع الإنسان شيئا إلا لحكمة، ومن هذه الحكم -أيها الحبيب- الثواب الأخروي، والنعيم المقيم في دار الكرامة وهي الجنة، فإن هذا النعيم يزيد بزيادة البلاء في الدنيا.
والله تعالى يعوض الإنسان المحروم في هذه الدنيا، فإنه يدخله الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم من أيام القيامة وهي 500 عام، كما جاء في الحديث، فالذي تنعم في هذه الدنيا 100 عام يسبقه هذا بالنعيم في نعيم الجنة، ولا مقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الجنة، هذا المحروم في الدنيا يتنعم بنعيم الجنة قبل أن يدخل ذاك بـ 500 عام.
وهذا تعويض من الله -سبحانه وتعالى- لهذا الإنسان عما فاته في هذه الدنيا، وإلا فإن الغني الشاكر المؤمن التقي سيدخل الجنة بعد ذلك، وربما يرتفع في درجاته أعلى من ذاك الفقير، ولكنه عوض -سبحانه وتعالى- هذا الفقير بهذه المدة في نعيم الجنة.
فاعلم -أيها الحبيب- أن عملك مدخر لك إذا أحسنت التعامل، وأديت الفرائض التي فرضها الله تعالى عليك، ومن ذلك الصبر، وعدم التسخط على أقدار الله، وأن تعلم أن الله تعالى سيعوضك ما فاتك في هذه الدنيا، وأنه سيأجرك على ما أصابك إذا صبرت واحتسبت، وأن كل ما تقدمه من بر لأمك هو عمل صالح مدخر لك.
وكن على ثقة -أيها الحبيب- أنك إذا اتقيت الله سيجعل لك مخرجا في مستقبل زمانك، فلا تهتم كثيرا للمستقبل، سيجعل الله فرجا ومخرجا، هكذا قال الله في كتابه: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب}، {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا}.
تعفف عن الحرام -أيها الحبيب- واعلم أن الله سيجعل لك تيسيرا، فقد قال سبحانه: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتىٰ يغنيهم الله من فضله}، سيغنيك الله من فضله، وسييسر لك أسباب العفة وأسباب الزواج، أحسن ظنك بالله، وخذ بالأسباب المادية بقدر ما تستطيع، وتوجه إلى الله واسأله كثيرا، وادعه كثيرا، وكن على تقوى، واحرص على ما يرضي ربك عنك، ستجد أن حياتك كلها تتغير إلى الأفضل.
نسأل الله تعالى أن يفتح أمامك أبواب الخيرات، ويسهل لك كل عسير.