السؤال
السلام عليكم.
أنا أحب أمي كثيرا، وعلاقتنا جيدة، ودائما في صلاتي وفي قيام الليل أخصص جزءا كبيرا من دعائي لها هي وأبي، ولكن بسبب موضوع تافه جدا غضبت مني، وهي من النوع الذي لا يسامح بسهولة، ويشابهها في ذلك أخواتها وعائلتها؛ فكلهم من هذا النوع الذي لو ضايقهم أحد لن يسامحوه.
المهم أن أبي طلب مني أن أصالحها، وقال لي: بأن كل صلاتي وعبادتي لن تقبل ما دامت هي غاضبة مني، فذهبت إليها كي أصالحها، وأخبرتها بأني أدعو لها في صلاتي، وأني لم أكن أقصد إغضابها، وعندما اقتربت منها لكي أقبلها وأحضنها دفعتني، وقالت لي: لن أسامحك مهما فعلت، ولن أصفو لك، فأوجعتني بكلامها؛ لأن الموضوع تافه جدا، ولا يستحق غضبها هذا، وقد حاولت أن أصالحها، ولكنها رفضت أن تصالحني، فهل صلاتي وعبادتي وذكري لن يتقبلها الله مني كما قال لي أبي؟
الله يعلم كم يؤلمني قلبي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
بداية: نسأل الله أن يأجرك على سعيك لبر أمك وطاعتها، والحرص الشديد على رضاها؛ فهذا من أعظم البر والتوفيق في الحياة، فبر الوالدين من أعظم القربات إلى الله تعالى، لكن هناك أمور مهمة ينبغي أن تتعرفي عليها يمكن أن نوضحها لك كما يلي:
أولا: بر الوالدين وطاعتهما ليست طاعة مطلقة، ولكنها طاعة مشروطة بالمعروف، قال رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-: (لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف).
ثانيا: التوبة النصوح بتحقيق شروط التوبة الثلاثة، وهي: الندم على فعل الذنب، والعزم على عدم الرجوع إليه، والإقلاع عنه؛ بهذه الشروط تتحقق التوبة المقبولة -بإذن الله-، وتزال عقوبة الذنب ما لم يكن هناك حقوق للآخرين؛ فإن وجد حق فلا بد من إرجاعه إليه، أو المسامحة منه.
ثالثا: في علاقات المتخاصمين، الأفضل هو من يبادر إلى الصلح، فقد جاء في الحديث أن رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)، ولا إثم على من بادر إلى الصلح، بل هو الأفضل، وجاء في حديث آخر أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-: (لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك).
رابعا: الذي يعفو، ويغفر، ويقبل الأعمال الصالحة هو رب العباد سبحانه، قال تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾، وقال تعالى: ﴿ربكم أعلم بما في نفوسكم ۚ إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا﴾، ولا يجوز لأي بشر أن يقرر المغفرة أو التوبة أو قبول الأعمال والعبادات.
خامسا: التشدد والمبالغة في ردود الفعل لبعض المواقف من بعض الآباء على أبنائهم ليس من أساليب التربية الصحيحة، خصوصا في المواقف التافهة التي يفضل فيها التغافل والتجاوز، ولكن بعض الآباء قد يمارسه ظنا منهم أن ذلك من أساليب التربية والتعليم والزجر، لكنه قد يعود بنتائج عكسية، خصوصا عند التكرار مع الشخصيات الحساسة، فقد يتحول إلى حالة من الاكتئاب أو النفور تزداد مع الوقت، وقد نقل عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قوله: (رحم الله والدين أعانا ولدهما على برهما).
أختي الفاضلة:
إن حدث منك خطأ أو تجاوز في حق والدتك، فبادري إلى التوبة والاستغفار، وتحقيق شروط التوبة الثلاثة: الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم الرجوع إليه، فإن حققت هذه الشروط بإخلاص وصدق، غفر الله ذنبك، وتاب عليك، وقبل توبتك.
أما حق والدتك: فبادري إلى طلب العفو والمغفرة –وقد فعلت– فإن قبلت منك فالحمد لله، وإن لم تقبل، فالله تعالى يعلم ما في قلبك، وهو أعلم بما في الصدور والنيات، لكن استمري في الإحسان إليها، وخدمتها، والإكثار من صنع المعروف لها ابتغاء وجه الله تعالى، رضيت أو لم ترض.
أما قبول الأعمال الصالحة كالصلاة، والصيام، وسائر العبادات؛ فهو بيد الله تعالى، وهي مقبولة عند الله بفضلة وكرمه إذا أخلص فيها العبد لله، واتبع فيها هدي النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ورضا الأم والأب ليس شرطا في قبول سائر الأعمال الصالحة، إلا من تحقق منه العقوق والأذى للوالدين فهو على كبيرة من الكبائر، وأجره في سائر الأعمال ناقص الثواب.
ولكنك –بحمد الله– على اجتهاد ببر والديك، ومبادرة إلى الاعتذار، وطلب الصفح، والندم على ما بدر منك، فلست ممن يتحقق فيه العقوق -بإذن الله تعالى-.
أخيرا: ننصحك بعدم الإلحاح والمواجهة المباشرة لوالدتك، والانتقال إلى الفعل والعمل على طاعتها، وإرضائها بالأقوال والأفعال، حاولي كسب قلبها بالهدية، والكلمة الطيبة، وفعل ما تحب، والثناء على كل ما تفعله من خير؛ فذلك مما يرقق قلبها، كما يمكن أن تستعيني بأي شخص له مكانة عندها من محارمك الثقات ليتحدث معها، ويقنعها بمصالحتك.
وأثناء هذه المحاولات، لا تنسي الإكثار من الاستغفار والدعاء، واليقين بأن الله مطلع على ما في قلبك، فلا تبالغي في الحزن والألم؛ حتى لا يزداد الضغط النفسي عليك، وتدخلين في حالة من الاكتئاب، وعدم الثقة بالنفس.
وفقك الله ويسر أمرك.