كيف أدعو إلى الله وأربي أطفالي في ظل متاعبي النفسية؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا طالبة علم شرعي دخلت هذا المجال لشعوري العميق بأني أحتاج إليه.

أكبر سبب دفعني لذلك هو أنني كنت مضطربة، وأشعر أن هناك فراغا داخليا لم يملأه إلا القرب من الله ومعرفته، ربما كان ذلك نتيجة الظروف القاسية التي مررت بها من يتم وتهجير في الثورة في بلدي، إضافة إلى الإهمال والفقر اللذين عشتهما في نشأتي.

كان لدي إخوة، لكنهم كانوا يكتفون بإطعامي وإرسالي إلى المدرسة دون أن يسألوا يوما عن حالي أو يفتحوا معي حديثا.

كبرت الآن وأصبحت أما، وبعد أن صرت طالبة علم، يتعين علي أن أدعو من حولي بطريقة ما، فهذا من واجب العلم، لكنني لا أستطيع التوفيق بين هذا الواجب وبين ما لدي من مشكلات سلوكية واضطراب اجتماعي.

فأنا شخصية غير جاذبة للناس –في أقل وصف– ولا أعرف تحديدا كيف يراني الآخرون، غالبا يرونني مسكينة وغير متزنة، ولا يأبهون لكلامي، ولا أصلح في نظرهم أن أكون قدوة، ولأقرب لكم حالتي: عندما أستضيف أحدا في منزلي لا أحسن الإدارة، ويبدو أنني متوترة، وعندما يكلمني أحد، أركز عليه من شدة التوتر وأنسى بقية الحضور، ويبدو كلامي متشنجا وغريبا وغير متسق، وربما أنفعل فجأة دون داع وأرفع صوتي.

أنا أدرك هذا كله، وأعرف أنني أتفوه بحماقات أحيانا، وأن لدي مشكلة في التواصل مع الناس، وأحيانا أقول أمورا لا ينبغي قولها وتعد خصوصية، لكن من شدة حاجتي لمن يحتوي مشاعري ويفهمني، أتحدث عن أمور مثل جفاء العلاقة بيني وبين زوجي، وصعوبة العيش معه وشدة غضبه، ثم أدرك متأخرة أن هذا الحديث يبعد الناس عني، ومع ذلك لا أستطيع السيطرة على نفسي دائما؛ لأنني أحيانا أشعر بضغط نفسي يكاد يفجرني بسبب سوء معاملة زوجي، وأحيانا أخرى أكون هادئة، وغالبا لا أحسن إيصال الفكرة التي في رأسي.

فهل يسقط عني واجب الدعوة؟ وكيف أكون أما مربية لأطفالي؟ وكيف أعالج نفسي بنفسي؛ لأنه فعليا لا أحد يهتم بي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ لجين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك مررت بظروف قاسية في نشأتك من يتم، وتهجير، وإهمال عاطفي، وأن هذه الظروف تركت أثرها في تكوينك النفسي والاجتماعي، وأنك الآن تجدين صعوبة في التوفيق بين ما تشعرين به من واجب الدعوة كطالبة علم، وبين ما تعانينه من اضطراب في التواصل الاجتماعي وضعف في الثقة بالنفس.

أختي الكريمة: لقد هزتنا رسالتك فعلا، وأثار انتباهنا وعيك العميق بما تمرين به، وهذا الوعي في حد ذاته نعمة عظيمة وخطوة أولى نحو العلاج والتحسن، فكثيرون يعانون من مشاكل مشابهة لكنهم لا يدركونها، أما أنت فقد أدركت وهذا يعني أنك على الطريق الصحيح -بإذن الله-.

ما تعانينه الآن ليس ضعفا في إيمانك، ولا نقصا في دينك، بل هو أثر طبيعي لما مررت به من حرمان عاطفي في مرحلة حساسة من عمرك، يقول الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، فأنت لم تختاري هذه الظروف، ولم تكوني مسؤولة عما حدث لك في طفولتك. الحرمان العاطفي والإهمال في سنوات التكوين الأولى يترك آثارا نفسية عميقة تظهر في صورة توتر اجتماعي، وصعوبة في التواصل، وحاجة ملحة للقبول والاحتواء، هذا أمر تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، ويتفق مع ما أشار إليه علماء التربية الإسلامية من أهمية الرعاية العاطفية في تنشئة الأبناء.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له"، فما مررت به من محن هو ابتلاء من الله، وصبرك عليه ورجوعك إليه سبحانه لتعويض هذا الفراغ بطلب العلم الشرعي؛ يكتب لك به أجر عظيم.

هل يسقط عنك واجب الدعوة؟ الجواب المختصر: لا، لا يسقط عنك واجب الدعوة، لكن يجب أن نفهم معنى الدعوة فهما صحيحا، الدعوة إلى الله ليست محصورة في الخطب والمواعظ والجلوس مع الناس، بل لها صور كثيرة ومتعددة تناسب كل شخص بحسب قدراته وظروفه.

يمكن أن ننظر إلى هذه المسألة من زاويتين:
الزاوية الأولى: هي أن الدعوة بالحال أعظم من الدعوة بالمقال، فتربيتك لأبنائك على الإسلام والأخلاق الفاضلة دعوة، وصبرك على ما تعانينه من ضيق نفسي وصعوبات زوجية دون أن تفرطي في دينك دعوة، والتزامك بالصلاة والعبادة رغم ما تمرين به دعوة، يقول الله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}. فأنت بمجرد استقامتك في بيتك ومع أولادك تؤدين واجب الدعوة.

الزاوية الثانية: هي أن الدعوة المباشرة لها شروط وآداب، منها أن يكون الداعي على قدر من العلم الشرعي، ومن النضج النفسي والاجتماعي حتى لا ينفر الناس من الدين بسبب تصرفاته، فإذا كنت تشعرين الآن أن وضعك النفسي لا يؤهلك للدعوة المباشرة، فهذا لا يعني سقوط الواجب عنك، بل يعني تأجيله حتى تعالجي نفسك وتتحسن حالتك، في هذه الأثناء، يمكنك الدعوة بطرق غير مباشرة: بتربية أولادك، بالدعاء للمسلمين، بنشر العلم الذي تتعلمينه كتابة عبر وسائل التواصل دون الحاجة للمواجهة المباشرة، بالصدقة والإحسان، بحسن الخلق مع الجيران والأقارب دون الدخول في مواعظ مباشرة.

أما سؤالك: كيف تكونين أما مربية؟ فتربية الأبناء لا تتطلب منك أن تكوني شخصية اجتماعية مثالية، بل تتطلب منك أمورا أساسية يمكنك تحقيقها بإذن الله:

الأمر الأول: الحب والاحتواء العاطفي: أنت عانيت من الحرمان العاطفي، فأنت أدرى الناس بأهمية أن يشعر الطفل بالحب والاهتمام، احرصي على أن تحتضني أطفالك، أن تقبليهم، أن تستمعي لهم، أن تسأليهم عن مشاعرهم وأحوالهم، هذا هو الأساس في التربية، وأنت قادرة عليه في بيتك دون حاجة لمهارات اجتماعية معقدة.

الأمر الثاني: القدوة الحسنة: أطفالك يرونك تصلين، يرونك تقرئين القرآن، يرونك تطلبين العلم الشرعي، يرونك صابرة على الصعوبات، هذه قدوة عظيمة ستؤثر فيهم أكثر من ألف موعظة.

الأمر الثالث: التربية بالحكمة والرفق: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله"، حاولي أن تتعاملي مع أطفالك بهدوء ورفق، وإذا شعرت بالضغط النفسي وأنك على وشك الانفجار، اعتذري لهم بكل بساطة وأخبريهم أنك متعبة وتحتاجين لبعض الوقت، لا بأس أن يرى الأطفال أن أمهم إنسانة لها مشاعر وضغوط، المهم أن يشعروا بحبك واهتمامك.

الأمر الرابع: الاستعانة بالله والدعاء: اجعلي من عادتك أن تدعي لأطفالك بعد كل صلاة، أن تطلبي من الله أن يصلح نفسك ونفوسهم، أن يعينك على تربيتهم، يقول الله تعالى: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما}.

سؤالك: كيف تعالجين نفسك بنفسك؟
ننصحك أن تستشيري أخصائية نفسية مسلمة إن أمكن، فما تعانينه يحتاج لمتابعة ومساعدة متخصصة، طلب المساعدة ليس ضعفا، بل هو قوة وحكمة ورغبة في الشفاء، ومع ذلك، سنعطيك بعض النصائح العملية التي يمكنك البدء بها الآن:

النصيحة الأولى: العلاج الإيماني بالقرب من الله تعالى: أنت ذكرت أن القرب من الله ملأ فراغك الداخلي، فاستمري في هذا الطريق، أكثري من الصلاة والدعاء والقرآن والذكر، يقول الله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، اجعلي لك وردا يوميا من القرآن والأذكار، واحرصي على صلاة قيام الليل ولو ركعتين، ففيها سكينة عجيبة وشفاء للقلوب.

النصيحة الثانية: الكتابة العلاجية: احتفظي بدفتر خاص تكتبين فيه مشاعرك وأفكارك بصراحة تامة دون خوف من أحد، اكتبي ما تشعرين به من غضب، أو حزن، أو توتر، اكتبي عن علاقتك بزوجك وما يضايقك فيها، هذه الكتابة تساعدك على تفريغ المشاعر المكبوتة دون أن تفشيها للناس، وتساعدك أيضا على فهم نفسك بشكل أفضل، يمكنك تمزيق هذه الأوراق لاحقا-إن رغبت-.

النصيحة الثالثة: تعلم مهارات التواصل تدريجيا: ابدئي بخطوات صغيرة، تدربي على التنفس العميق قبل أي موقف اجتماعي، جهزي في ذهنك بعض العبارات البسيطة للرد على الناس، حاولي أن تستمعي أكثر مما تتكلمين في البداية، لا تضغطي على نفسك لتكوني شخصية اجتماعية مثالية بين ليلة وضحاها، بل تقدمي خطوة خطوة.

النصيحة الرابعة: حماية خصوصيتك: أنت ذكرت أنك تفشين أسرارك للناس، ثم تندمين، هذا يحدث بسبب حاجتك الشديدة للاحتواء والفهم، الحل هو أن تجدي شخصا واحدا أو اثنين تثقين بهم ثقة تامة (أخت في الله، قريبة حكيمة، أخصائية نفسية)، وتفضفضي معهم فقط، أما بقية الناس، فاجعلي علاقتك بهم على مستوى السلام والمجاملات البسيطة فقط، ضعي لنفسك قاعدة: لا تتحدثي عن خصوصيات زواجك، أو مشاكلك الشخصية إلا مع شخص واحد موثوق، أو مع مختصة.

النصيحة الخامسة: العناية بصحتك الجسدية: مارسي رياضة بسيطة في البيت، احرصي على نوم كاف، اهتمي بتغذيتك، فالصحة الجسدية تؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية والقدرة على التحكم في المشاعر.

النصيحة السادسة: معالجة العلاقة الزوجية: أنت ذكرت جفاء العلاقة مع زوجك وشدة غضبه، هذا الأمر يحتاج لمعالجة جادة؛ لأنه يزيد من ضغطك النفسي، حاولي أن تتحدثي مع زوجك في وقت هادئ عن حاجتك للدعم والتفهم، واطلبي منه المساعدة، فإذا لم يستجب، يمكنك الاستعانة بشخص حكيم من الأهل، أو بمرشد أسري، تذكري أن من حقك على زوجك المعاشرة بالمعروف، يقول الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف}.

أختي الكريمة: أنت أقوى مما تتصورين، أنت امرأة عانت من اليتم والتهجير والحرمان العاطفي، ومع ذلك لم تستسلمي، تزوجت وأنجبت وطلبت العلم الشرعي، وتحاولين أن تكوني أما صالحة رغم كل الصعوبات، هذا إنجاز عظيم يستحق التقدير والاحترام.

لا تقارني نفسك بمن حولك ممن نشؤوا في ظروف طبيعية، بل قارني نفسك بما كنت عليه قبل سنوات، ستجدين أنك تحسنت كثيرا بفضل الله، طريق التعافي طويل، لكنك على الطريق الصحيح.

رسالة أخيرة: أختي الكريمة، إن اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء، والتوكل عليه ومناجاته أمر لا بد منه في مثل هذه الأحوال، قومي الليل ولو قليلا، واسكبي دموعك بين يدي الله، واطلبي منه الشفاء والعافية والسكينة، يقول الله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}، فأنت في حالة اضطرار، والله يجيب المضطر إذا دعاه.

تذكري أن الله اختارك لتكوني طالبة علم شرعي، وهذا تشريف عظيم، علمك هذا سينفعك في الدنيا والآخرة، وسينفع أولادك ومن حولك، لا تظني أن مشاكلك النفسية تنقص من قيمتك عند الله، بل ربما كانت سببا في رفع درجاتك بما تصبرين عليه وتجاهدين نفسك.

نسأل الله أن يشفيك شفاء لا يغادر سقما، وأن يملأ قلبك سكينة وطمأنينة، وأن يصلح شأنك كله، وأن يبارك في علمك وعملك وذريتك، وأن يجعلك من الصالحات القانتات، وأن يرزقك من يحتويك ويفهمك ويقدرك، وأن ييسر لك طريق التعافي والسعادة.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات