السؤال
السلام عليكم.
أنا شاب أبلغ من العمر 26 عاما، أردت خطبة فتاة من أهلي ذات خلق ودين، ولكنها لم تعجبني، وشعرت بالخجل أن أقول لهم لا أريدها، وقلت سأصبر لعلي أجد خيرا، ولكن من ظاهر الآية الكريمة: [فانكحوا ما طاب لكم من النساء...]؛ فالشرع قال: "ما طاب"، ولكني أشعر بأني لو تزوجتها سأظلم نفسي، وسأظلمها، ونحن نسكن في بادية، وحتى سكان القرية سيعيرونني لو قلت لا أريدها، على الرغم من أنني لو تركتها فالرجال غيري كثير.
أرجو التوضيح، وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Abdulhag حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
بداية: نقدر وعيك وحرصك على بناء حياة زوجية مستقرة، قائمة على العدل والمودة، لا على المجاملة، أو ضغط الواقع الاجتماعي. وأنت اليوم تقف أمام مفترق طريقين في غاية الأهمية: إرضاء الناس، أو تأسيس بيت يقوم على القبول، والسكينة، والمودة.
أخي الكريم: لقد شرع الإسلام الخطبة لمقاصد عظيمة، من أهمها تحقق القبول النفسي، والارتياح القلبي قبل الإقدام على مشروع الزواج، والذي هو عقد يستمر العمر، ولهذا أذن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنظر للمخطوبة قبل الزواج، ومعرفة ما يدعو الخاطب إليها، وبين الحكمة بقوله: (فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)؛ أي أدعى لدوام المودة، فإذا انتفى القبول، والميل، والتوافق من البداية، كان من الصعب جدا بناؤه لاحقا، وفي ذلك تظهر حكمة التشريع الإسلامي، ورحمته بالطرفين.
ولا شك أن الزواج من امرأة لا تميل إليها النفس قد يفضي مع الزمن إلى التقصير في الحقوق، وربما الظلم، وخاصة إذا وجد أبناء، فتقع المشقة عليك وعليها معا، وهذا ينافي مقاصد الإسلام في الزواج، وتحقيق السكن، والمودة، والرحمة.
لا شك أن هناك ضغوطا تفرضها العادات والتقاليد، كما أن لكلام الناس أثرا في النفس، لكن هذا الاعتبار لا يجوز أن يقدم على الشرع، ولا أن يكون سببا في ظلم أو فساد، لذلك سوف نقدم لك مجموعة من النصائح نرجو أن ينفعك الله بها:
أولا: لو اعتذرت الآن عن الخطبة، فسيتحدث الناس فترة قصيرة ثم ينشغلون بحياتهم، أما إن تزوجت دون قناعة، ورضا، وقبول، فستتحمل أنت وحدك تبعات القرار كل يوم، ولسنوات طويلة.
ثانيا: الحكمة ليست في مجاراة الإحراج والخجل من الناس، بل في اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح، والاعتذار المبكر قمة في الشهامة، والمروءة، والحكمة؛ لأنه يحفظ للفتاة كرامتها قبل ارتباط قد ينتهي بطلاق، أو هجر، أو ظلم.
ثالثا: تأمل مشاعرك بصدق وتجرد؛ فإن وجدت أن قلبك غير منشرح، ولا يوجد ميل حقيقي، أو قبول نفسي، فصل صلاة الاستخارة، وأكثر من الدعاء، واسأل الله أن يختار لك الخير حيث كان، وأن يرضيك به ثم بادر.
رابعا: احرص على أن يكون الاعتذار بألفاظ لينة غير جارحة؛ فلا تقل ما يؤذي أو ينتقص، بل استخدم عبارات حكيمة مثل: "لا أعيب عليها، ولا على أهلها شيء، ولكن لم يحصل نصيب"، أو "هي فتاة صالحة وتستحق من يسعدها"، فهذه العبارات تحفظ كرامتها، ولا تسيء لفرصها في الزواج المستقبلي، كما تحفظ إحسان أهلها لك في قبولهم بك، وهذا حال الكريم في أخلاقه ودينه.
خامسا: لا تطل فترة الخطبة مع شعور النفور؛ فكلما طال الزمن زادت الالتزامات، وصعب التراجع، فبادر بإبلاغ أهلك بقرارك بهدوء واحترام، واشرح الأسباب.
وأخيرا: لا تضح بحياتك ولا بحياة فتاة بريئة مقابل الخجل من الناس؛ فالناس لن يحملوا عنك همك، ولن يعيشوا معك تبعات قرارك، ولن يعطوك مشاعر الرضا والقبول والمودة بعد ذلك، استعن بالله، وأنه الأمر بإحسان وكلمة طيبة،؛ فـالفراق بإحسان خير من زواج يبنى على جفاء، أو ظلم، وعدم مودة، قال تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾، وهذا حال الصالحين حتى في فراقهم.
وفقك الله، ويسر أمرك.