أدرس الهندسة وأخشى أن لا يكون المستقبل كما أتمنى!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أريد أن أشارككم شعوري، وأطلب منكم النصيحة والتوجيه.

أنا فتاة أدرس الهندسة، لكني كثيرا ما أفكر في المستقبل وأخاف ألا يكون كما أتمنى، أشعر بضغط وخوف من الفشل، ويتكرر هذا التفكير يوميا، خاصة أن من حولي أطباء وناجحون وأهلي مفتخرون بهم، بينما أنا أشعر أن طريق الاستقلال بالنسبة لي صعب وغير واضح.

كما يثقل قلبي أحيانا شعور الوحدة، فمعظم من حولي لديهم صداقات وأنا لا أوفق في ذلك؛ مما يزيد قلقي وحزني، أحس أن التفكير الزائد يتعبني ويستنزفني نفسيا، ولا أعرف كيف أتعامل معه أو أجد الطمأنينة!

أرجو منكم نصيحتي: ماذا أفعل؟ وكيف أهدئ قلقي وأسلم أمري لله بثقة وراحة؟

جزاكم الله خيرا، وبارك الله فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لكم تواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعانين من قلق مستمر حول المستقبل، وخوف من الفشل، مع شعور بالوحدة وثقل التفكير الزائد، وهذا أمر يمر به كثير من الشباب في مرحلة الدراسة الجامعية، خاصة في التخصصات الصعبة كالهندسة، ومن الطبيعي جدا أن تشعري بهذا الضغط، لكن المهم هو كيف نتعامل معه بحكمة وإيمان؟

أولا: أود أن أحييك على صراحتك وشجاعتك في التعبير عن مشاعرك؛ فهذا دليل على وعيك ورغبتك الصادقة في التحسن، وهذا بحد ذاته نعمة عظيمة.

لنحلل هذه المشاعر التي تعانين منها ونفهمها بشكل أعمق، فالقلق من المستقبل والخوف من الفشل غالبا ما ينبعان من أمرين:
الأول: هو المقارنة بالآخرين.
الثاني: هو تعلق القلب بالنتائج أكثر من تعلقه بالله عز وجل.
عندما تنظرين إلى من حولك من الأطباء والناجحين وتقارنين نفسك بهم، فأنت تنسين أمرا مهما جدا، وهو أن الله سبحانه وتعالى خلق كل إنسان بقدرات مختلفة وابتلاءات مختلفة وطرق نجاح مختلفة، يقول الله تعالى: ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات﴾، فالمقارنة مع الآخرين هي فخ يسرق منك السكينة والرضا؛ لأنك تنظرين لظاهر حياتهم ولا تعلمين ما يخفونه من تحديات وآلام.

الأمر الآخر الذي لفت انتباهي في رسالتك هو شعورك بالوحدة وعدم التوفيق في الصداقات:
أختي الكريمة: الصداقات الحقيقية ليست بالكثرة، بل بالجودة والصدق، وربما أنت لم تجدي بعد من يشاركك قيمك واهتماماتك، وهذا لا يعني أن هناك خللا فيك، بل يعني أن الله يحفظك من علاقات قد تضرك أو تشتتك عن طريقك، تذكري أن الوحدة أحيانا تكون فرصة للتعرف على نفسك بشكل أعمق، وللتقرب من الله عز وجل، يقول الله تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾، فالله أقرب إليك من أي أحد، وهو وحده من يسمعك حقا ويفهمك تماما.

الآن دعيني أقدم لك بعض النصائح العملية التي ستعينك بإذن الله على تجاوز هذه المرحلة.

أولا: عليك بتصحيح النية وربط دراستك بمعنى أعظم، أنت لا تدرسين الهندسة فقط لتنجحي أو لترضي أهلك أو لتساوي الآخرين، بل أنت تدرسينها لتكوني أداة نفع في هذه الأرض، لتبني وتعمري وتخدمي مجتمعك بما سيعلمك الله إياه، عندما تربطين دراستك بهدف أسمى من مجرد النجاح الشخصي، سيخف عنك الضغط، وستشعرين أن كل خطوة في طريقك هي عبادة وجزء من رسالتك في الحياة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.

ثانيا: عليك بالتوكل الحقيقي على الله، وهذا لا يعني ترك العمل والأخذ بالأسباب، بل يعني أن تعملي بجد واجتهاد، ثم تسلمي النتائج لله عز وجل، التوكل هو أن تؤدي ما عليك من واجب ثم تطمئني بأن ما كتبه الله لك سيأتيك، وما لم يكتبه لن يأتيك مهما بذلت، حاولي كل صباح أن تقولي: حسبي الله ونعم الوكيل، اللهم إني أسألك خير ما في هذا اليوم وأعوذ بك من شره، وأسلم أمري إليك، هذا الدعاء البسيط إذا استشعرتيه بقلبك سيخفف عنك كثيرا من القلق.

ثالثا: من الأمور التي سوف تعينك بإذن الله هي تنظيم وقتك، وربطه بالصلوات الخمس، اجعلي الصلاة محطة راحة لك في اليوم، ففيها تقفين بين يدي الله وتشكين همك إليه، حافظي على الصلاة في وقتها، وبعد كل صلاة خذي دقيقتين أو ثلاثا للذكر والاستغفار، يقول الله تعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، الذكر والدعاء هما علاج القلق والخوف، فأكثري من الاستغفار وقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها تفتح أبواب الفرج.

رابعا: حاولي أن تكسري دائرة التفكير الزائد بالفعل والحركة، عندما تشعرين أن الأفكار السلبية تهاجمك، قومي بأي نشاط حركي: امشي قليلا، صلي ركعتين، اقرئي شيئا من القرآن، اتصلي بوالدتك، اكتبي ما تشعرين به على ورقة ثم مزقيها.

الحركة تقطع سلسلة الأفكار وتعيد عقلك للحاضر، كذلك حاولي أن تخصصي وقتا محددا في اليوم للتفكير في المستقبل، مثل عشر دقائق فقط، وخارج هذا الوقت، عندما يأتيك التفكير، قولي لنفسك: سأفكر في هذا في الوقت المخصص، هذه تقنية نفسية مجربة تساعد على السيطرة على التفكير القهري.

خامسا: بخصوص الصداقات، لا تجبري نفسك على علاقات سطحية فقط لأجل أن يكون لك أصدقاء، ابحثي عن نشاطات أو مجموعات تشاركك اهتماماتك، سواء في الجامعة، أو المسجد، أو عبر الإنترنت، انضمي لمجموعات قرآن، أو حلقات علم، أو أنشطة تطوعية، الصداقات الحقيقية تنبت بشكل طبيعي عندما نكون في بيئة صحية مع أشخاص يشاركوننا قيمنا، ولا تنسي أن العلاقة الأهم هي علاقتك بالله، فإذا كنت قريبة منه فلن تشعري بالوحدة المؤلمة، لأن الله معك دائما.

سادسا: حاولي أن تكتبي يومياتك أو مذكرة شكر، كل يوم قبل النوم اكتبي ثلاثة أشياء أنت ممتنة لله تعالى فيها في يومك، مهما كانت صغيرة، هذا التمرين البسيط يعيد برمجة عقلك ليرى الخير في حياتك بدلا من التركيز على النقص والخوف، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.

أختي الكريمة، أريدك أن تتذكري أن النجاح الحقيقي ليس في أن تكوني مثل الآخرين، بل في أن تحققي أنت ما خلقك الله لأجله، طريقك قد يكون مختلفا، وهذا لا يعني أنه أقل قيمة، ربما تحديات اليوم هي التي ستصنع منك إنسانة أقوى وأكثر نضجا وقربا من الله.

نصيحة أخيرة: إن اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء، والتوكل عليه ومناجاته أمر لا بد منه في مثل هذه الأحوال، خذي من وقتك كل يوم ولو عشر دقائق في الثلث الأخير من الليل إن استطعت، وإلا ففي أي وقت من اليوم، واسجدي لله وادعيه بما في قلبك، واطلبي منه أن يهديك ويثبتك ويرزقك السكينة والطمأنينة. يقول الله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾.

إذا استمرت هذه المشاعر بشكل مستمر ومؤثر على حياتك اليومية ودراستك، فلا بأس من استشارة مختص نفسي للحصول على دعم إضافي، فطلب المساعدة ليس ضعفا، بل هو حكمة وقوة.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يملأ قلبك سكينة وطمأنينة، وأن يرزقك النجاح في دراستك وحياتك، وأن يعوضك خيرا، ويجعل لك من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا.

مواد ذات صلة

الاستشارات