السؤال
السلام عليكم
أنا متزوج منذ خمس سنوات، ومع بداية الزواج بدأت تظهر عندي مشاكل مع زوجتي، وذهبت إلى طلب الرقية الشرعية، فأخبرني الراقي أن عندي مسا عاشقا، (هذا لأن والدي كان يعمل في أمور السحر، وكان يقرأ علي من كتب السحرة).
ولكنني التزمت وأصبحت لا أفارق الصلاة، ولكن بعد الزواج بدأت أهمل شيئا فشيئا حتى وقعت في ذنب، ثم أدمنت الأفلام الإباحية، ثم فتح باب للذنب، لكنه أغلق بفضل الله قبل الوقوع بالذنب الأكبر.
وأشد ما أتألم منه بعد معصية الله هو أني آذيت زوجتي نفسيا، وهي تريد أن تنفصل عني، وليس لدي أحد غيرها، ولقد أخذت بالأسباب وذهبت لدكتور نفسي، وعزمت على عدم العودة والتوبة إلى الله.
سؤالي: هل الجن العاشق والسحر أساس في كل هذا؟ وهل سيتقبل الله توبتي؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في إسلام ويب، ونسأل الله أن يغمر فؤادك بالسكينة، وأن يربط على قلبك، وأن يفتح لك أبواب الرجاء، وأن يجمع لك بين الصدق معه، والسلام مع نفسك، والصلاح في أهلك.
ما ذكرته يحمل قدرا كبيرا من الألم والندم، وهذا في ذاته علامة حياة في القلب؛ لأن القلب الميت لا يتألم من الذنب، ولا يخاف عاقبته، ولا يسأل عن التوبة، وقد قال الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾، فباب الرجاء مفتوح، ولا يغلقه ذنب مهما عظم إذا صاحبه صدق الرجوع مع مراعاة ضوابط التوبة وشروطها.
أما سؤالك عن الجن العاشق والسحر، فمن المهم جدا أن نضع الأمور في مواضعها الصحيحة، دون تهويل ولا إنكار، فالسحر حق، وتأثير الشيطان ووسوسته حق، لكن الخطأ الكبير أن نجعل ذلك تفسيرا شاملا لكل ما يقع للإنسان؛ لأن هذا قد يدفعه إلى الوهم برفع مسؤوليته عما حدث منه، فيعطله عن علاج الخلل الحقيقي الواقع فيه.
لا بد أن نعلم أن الشيطان لا يملك أن يجبر الإنسان على المعصية، وإنما يزين ويدعو، قال الله تعالى على لسان الشيطان: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾، فالأصل في الذنب هو الاختيار، وما مررت به من إهمال تدريجي، ثم الوقوع في الإدمان، هو مسار معروف نفسيا وسلوكيا، يبدأ بالفراغ، أو الضغط، أو الوحدة، أو ضعف التواصل الزوجي، ثم يبحث الإنسان عن تعويض خاطئ، ولا يحتاج هذا بالضرورة إلى تفسير غيبي، بل يحتاج إلى وعي وعلاج وصبر، وأنت بحمد الله لم تنكر خطأك، ولم تستمر فيه، بل توقفت، وتبت، وطلبت العلاج، وهذه خطوات صادقة معتبرة.
ما قيل لك عن والدك وما كان يفعله، فليس كل من تعرض لشيء في صغره يظل أسيرا له طوال حياته، فالله أعدل وأرحم من أن يؤاخذك بذنب غيرك، قال الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرىٰ﴾، وما دمت محافظا على الصلاة، والذكر، والتحصين، فلا ينبغي أن تعيش أسير خوف دائم من الجن أو السحر؛ لأن الخوف المبالغ فيه باب من أبواب الشيطان.
وأما توبتك، فاعلم يقينا أن الله يقبل التوبة إذا صدقت شروطها، وقد اجتمعت كما ذكرت: من الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة، ورد المظالم قدر الاستطاعة، وقد قال النبي ﷺ: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فلا تجعل الشيطان يلبس عليك بعد التوبة بإشعارك أنك غير مقبول.
فيما يخص زوجتك، فإن ألمها مفهوم، وجرحها حقيقي، والتوبة لا تعني أن آثار الذنب تزول فورا، بل تحتاج إلى وقت وصبر وحسن معاملة وصدق مستمر، وليس مطلوبا منك الضغط عليها أو استعجال النتيجة، بل المطلوب أن ترى ثباتك، وهدوءك، وتغيرك العملي، وأن تجد منك أمانا لا وعودا فقط، وقد قال الله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، والمعروف يشمل الصبر، والاحتواء، وتحمل تبعات الخطأ.
ومن المهم هنا أن لا تميل إلى الصدام مع نفسك، ولا مع غيرك، ولا إلى جلد الذات، ولا إلى تعليق كل شيء على الغيب، بل امض في طريق متوازن، تجمع فيه بين الذكر، والرقية المشروعة، وإصلاح السلوك، وتقوية الإيمان، فهذا هو المنهج النبوي في التعامل مع النفس، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ولم يترك الأخذ بالأسباب.
وخلاصة الأمر: أن ما وقع منك لا يدل على أنك مسلوب الإرادة، ولا على أن توبتك مرفوضة، بل يدل على أنك إنسان أخطأ، ثم استيقظ، نسأل الله أن يتقبل توبتك قبولا حسنا، وأن يطهر قلبك، ويحصن بصرك، ويجبر كسر زوجتك، ويؤلف بينكما، وأن يجعلك من عباده الذين إذا أذنبوا تابوا، وإذا تابوا صدقوا، وإذا صدقوا ثبتوا.
والله الموفق.