السؤال
السلام عليكم
أنا فتاة تزوجت وهاجرت إلى أمريكا، درست الطب في بلدي، والآن أحاول المعادلة لأبدأ التخصص هنا، ولكن أشعر أن أيامي ثقيلة جدا، وأعاني من فقدان الشغف، ولا أرى للسعادة سبيلا.
أشعر أن القطار قد فاتني؛ فلا أستطيع إنجاب الأطفال حاليا، ولا أستطيع العمل لأن علي دراسة، والطريق طويل جدا ومتعب.
أشعر أني في دوامة لا أعلم لها نهاية، وكل امتحان وراءه امتحان، وحاليا أقضي أغلب وقتي في الندم على قراراتي، وأصلي وأستغفر ولكن لا أجد الراحة، ولا أعلم ماذا أفعل.
أرجو النصيحة.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ وداد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك أختنا الفاضلة في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
أختي الفاضلة: ما تصفينه هو حالة طبيعية يمر بها كثير من أصحاب الطموح العالي الذين يخوضون تحولات كبيرة في حياتهم، لا سيما عند الهجرة وتغير المسار المهني، فقد انتقلت في فترة قصيرة من وضع مستقر من حيث الهوية، والمكانة، والدور المهني، إلى مرحلة إعادة بناء شاملة، بلد جديد، لغة مختلفة، نظام مهني صارم، ومسار طويل لا تظهر ثماره سريعا.
هذا التحول العميق يخلف أثرا نفسيا ثقيلا، يتمثل في الشعور بالفراغ، وفقدان الشغف، والقلق من الزمن والعمر والمستقبل.
أختي الفاضلة: يعرف هذا الوضع في علم النفس بالاكتئاب التكيفي، وهو ليس اكتئابا مرضيا بالضرورة، لكنه إن ترك دون وعي أو تعامل صحيح قد يتطور إلى حالة أعمق، وانطلاقا من ذلك، نضع بين يديك مجموعة من التوجيهات العملية، راجين من الله أن يعينك على الأخذ بها:
أولا: توقفي عن سؤال نفسك: هل أنا سعيدة؟ فالسعادة المجردة لا تطلب في مراحل البناء والتأسيس؛ إذ أن طبيعة هذه المرحلة قائمة على الاجتهاد والتعب وتأجيل الراحة، ومن الطبيعي أن تطرأ عليك أفكار التخلي أو الشوق إلى الراحة السريعة، لكن لا ينبغي الاستجابة لها بالكامل، يمكن أن تعطي نفسك لحظات ترويح، ثم تعودين بعدها إلى العمل والبناء؛ وهكذا تدار هذه المراحل.
أختي الفاضلة: الأجدر الآن أن يكون سؤالك هل أنا أسير في الاتجاه الصحيح؟ وهل هذه المشقة طبيعية لما أطمح إليه من إنجاز؟
بهذا التحول في زاوية النظر، يخف الصراع النفسي، وتهدأ رسائل القلق الداخلي؛ فكل صعود إلى القمم يسبقه جهد، وكل ثمرة ناضجة تبدأ ببذرة مرهقة، وأنت الآن في بداية الطريق، ومن المهم أن تعي ذلك جيدا.
كما ينبغي التفريق بين التعب الطبيعي المصاحب للمرحلة، وبين الندم على القرار؛ فالتعب متوقع، أما الندم المستمر فيستنزف طاقتك ويثقل طريقك بلا فائدة، ومع هذا الوعي ستتلاشى كثير من مشاعر القلق والتوتر-بإذن الله تعالى-؛ فالحياة في طبيعتها كد وسعي، ومن أراد بلوغ المعالي لا بد له من مجاهدة وصبر، قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾، وقال سبحانه: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ..﴾.
ثانيا: لا تنظري إلى واقعك من زاوية الإرهاق فقط، بل زاحمي هذه النظرة بصورة مستقبلية مشرقة لما بعد هذا التعب، وهي لحظة تحقيق الهدف، وقطف ثمار الجهد، والشعور بالإنجاز والاستقرار، التركيز على الإرهاق وحده، يساعد على استحضار الماضي وذكريات العائلة لما فيها من راحة، كما أنه يمثل نصف الصورة فقط، بينما يغفل النصف الآخر المتمثل في سعادة النجاح القادم بعد جسر من التعب، واكتمال الصورة يحقق التوازن النفسي.
كما وأن من أفضل ما يخفف صعوبة الطريق ألا تنظري إلى طوله، أو ما تبقى منه، بل ركزي على الخطوة التالية فقط، وعلى ما أنجزته بالفعل، فالعقل يرهق حين تفكرين باستمرار بطول الطريق وصعوبته، وقد ينتج عن ذلك قرارات سلبية تحت ضغط وإرهاق الواقع قد تكون كارثية، لكنه يستمد طاقة حين ينجح في خطوة واحدة ويتطلع لما بعدها؛ لذلك فكري بالغد القريب، لا بكامل الرحلة وبما أنجزت.
ثالثا: مخاوف فوات قطار الإنجاب، أو ضياع لحظات السعادة هي مشاعر طبيعية، ويمكن التعامل معها بتوازن وواقعية، فمرحلة معادلة الشهادة الأمريكية للأطباء الدوليين يمر بها معظم الأطباء الأجانب في الولايات المتحدة، وتتراوح غالبا بين سنتين إلى أربع سنوات من الدراسة والاختبارات، ثم تنتهي –بإذن الله– بشهادة ذات وزن ومكانة مهنية مرموقة، وخلال هذه الفترة يمكن اقتناص لحظات توازن عائلي ونفسي، ما دامت هذه المرحلة مؤقتة وليست دائمة.
كما أن تأجيل الحمل في هذه المرحلة قد يكون له مصلحة مرحلية، ما دام عن وعي واتفاق، والأهم هنا الابتعاد قدر الإمكان عن المقارنات؛ فلكل مرحلة ظروفها، ولكل إنسان مساره وتوقيته الخاص.
أخيرا: أختي الفاضلة، احرصي على الالتزام بروتين يومي ثابت، ولو كان بسيطا، ليخرجك من دائرة القلق والتفكير المستمر؛ كالمشي اليومي، أو نزهة قصيرة، أو نشاط اجتماعي تطوعي في محيطك الإسلامي، أو زيارات عائلية عند الإمكان. كما أن ممارسة نشاط بدني، أو رياضة خفيفة في بيئة نسائية آمنة لها أثر عميق ومثبت في تخفيف الضغط النفسي.
وننصحك بشدة بالتواصل مع طبيبات مررن بتجربة المعادلة نفسها؛ فوجود من يشاركك الطريق ويشبهك في التجربة يخفف كثيرا من الشعور بالوحدة، ويعين على تقبل الواقع، ورغم اختلاف الثقافة والبيئة من حولك، فإن وجود صديقات صالحات يخرجنك من دائرة الانهماك التام أمر في غاية الأهمية.
ولا تغفلي أبدا عن جانب القرب من الله تعالى؛ فالدعاء، والتضرع، وتلاوة القرآن، والاستماع إليه، لها أثر عميق في تهدئة النفس والتخفيف من الغربة.
أسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد.