السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مررت أنا وصديقتي بأكبر وقت من الحب والاهتمام، لكنها انشغلت بعملها وضغوطاته، فخف اهتمامها بي، مما دفعني إلى اللوم والعتب وحملتها فوق طاقتها، والآن لم نعد نتحدث كما كنا من قبل، غير أنها بدأت تنهي أعمالها، أي إن الضغوطات قد خفت.
أحيانا أشعر باهتمام منها، وأحيانا أخرى أشعر ببرود وعدم اكتراث، فكيف أتصرف لأعيدها إلي وأعود إلى قلبها، إذ لا أستطيع أن أعيش وهي ليست قريبة مني؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Loza حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعانين من ضعف في علاقتك بصديقتك المقربة بعد أن كانت العلاقة في أوج قوتها، وأنك تشعرين بحاجة شديدة لوجودها في حياتك، لدرجة أنك تقولين إنك لا تقدرين على العيش وهي ليست قريبة منك، وقد لفت انتباهي جدا هذه العبارة الأخيرة، لأنها تحمل في طياتها مفتاح الحل لمشكلتك بإذن الله.
أختي الكريمة: دعيني أولا أحييك على صراحتك مع نفسك عندما قلت إنك حملتها فوق طاقتها، فهذا يدل على وعي جميل ورغبة حقيقية في الإصلاح، والآن دعينا ننظر إلى هذا الموقف من عدة زوايا لنفهمه فهما أعمق.
من الطبيعي جدا أن تمر العلاقات الإنسانية بمراحل مختلفة، فهي ليست خطا مستقيما من الاهتمام الدائم، إذ إن كل إنسان له دورة حياته وظروفه وأولوياته التي تتغير مع الوقت، وقد مرت صديقتك بضغوطات عمل وانشغالات، وهذا لا يعني بالضرورة أن حبها لك قد تغير، بل يعني أن طاقتها وقدرتها على العطاء قد تأثرت مؤقتا، ويقول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وهذا ينطبق على كل البشر في كل علاقاتهم.
أختي الكريمة: عندما نصل إلى مرحلة نشعر فيها أننا لا نقدر على العيش بدون شخص معين، فهذا يعني أننا فقدنا البوصلة، هذا التعلق الشديد ليس صحيا لا لك ولا لصديقتك، فهو يضع عليها عبئا ثقيلا لا تستطيع حمله، ويضعك أنت في حالة من القلق الدائم والخوف من الفقدان.
الحب في الله والصداقة الصادقة أمر جميل ومطلوب، لكن الفرق بين الحب الصحي والتعلق المرضي هو أن الحب الصحي يجعلنا نفرح بوجود الشخص ونحزن لغيابه، لكننا نستمر في حياتنا، أما التعلق المرضي فيجعلنا نشعر أننا لا نستطيع الحياة بدونه، الأول يمنحنا القوة، والثاني يسلبنا إياها.
أختي الكريمة: اللوم والعتاب الزائد يفسدان أجمل العلاقات، وعندما نحمل الآخرين فوق طاقتهم ونلومهم على عدم تلبية توقعاتنا فإننا في الحقيقة نخنق العلاقة ونجعلها عبئا بدلا من أن تكون مصدر سعادة، والصداقة الحقيقية تقوم على التفهم والتسامح والمرونة لا على المطالب والشروط، يقول النبي ﷺ: أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، ويقول الشاعر:
طول المقام يمل المرء موقعه *** فاحذر مقامك بين الناس متصلا
لكن في حالتك، لم يصل الأمر لهذا الحد بفضل الله، فالصديقة ما زالت موجودة وما زال هناك اهتمام وإن كان أقل من السابق.
والآن نأتي إلى السؤال الأهم: كيف تصلحين ما فات؟ بعد أن فهمنا طبيعة المشكلة، دعيني أقدم لك بعض الخطوات العملية التي ستساعدك بإذن الله:
- الأمر الأول: ابدئي بمراجعة نفسك والاعتذار الصادق لصديقتك، فقولي لها بصراحة (ومن القلب) إنك تدركين أنك حملتها فوق طاقتها، وإنك نادمة على ذلك، وإنك تقدرين ظروفها وضغوطاتها، فالاعتذار الصادق يفتح أبوابا كثيرة مغلقة، وهو من صفات المؤمنين الأقوياء لا الضعفاء.
- الأمر الثاني: أعيدي ضبط توقعاتك من هذه العلاقة، فاسألي نفسك: هل توقعاتي واقعية، وهل أطلب من صديقتي ما لا تستطيع أن تمنحه لي في ظروفها الحالية، فإن التفهم والمرونة سيجعلان العلاقة أكثر راحة لكليكما.
- الأمر الثالث: نوعي مصادر سعادتك واهتمامك، فلا تجعلي كل سعادتك معلقة بشخص واحد مهما كان قربه منك، واقتربي من الله أكثر، فهو وحده من لا يغيب ولا ينشغل عنك، وأكثري من ذكر الله والصلاة وقراءة القرآن، وستجدين سكينة في قلبك لا يمنحها أي مخلوق، ويقول الله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.
-الأمر الرابع: وسعي دائرة علاقاتك الاجتماعية، فتعرفي إلى صديقات جديدات، وشاركي في أنشطة اجتماعية أو خيرية، واقضي وقتا مع أفراد أسرتك، فهذا لا يعني أنك تستبدلين صديقتك، بل يعني أنك توزعين اهتمامك ومحبتك على أكثر من شخص، وهو أصح نفسيا وأقرب لتعاليم الإسلام التي تحثنا على صلة الرحم وحسن الجوار والتواصل مع المؤمنين.
- الأمر الخامس: أعطي صديقتك مساحتها، فلا تلاحقيها بالرسائل أو الاتصالات، ولا تحاسبيها على كل صغيرة وكبيرة، ودعيها تشعر أنك تفهمينها وتحترمين ظروفها، فهذا سيجعلها تشعر براحة أكبر معك، وقد يدفعها للاقتراب منك بشكل طبيعي عندما تخف ضغوطاتها.
- الأمر السادس: ركزي على جودة التواصل لا كميته،عندما تتحدثان، اجعلي الحديث ممتعا وخفيفا، ولا تثقلي عليها بالشكاوى والعتاب، كوني مصدر فرح وراحة لها، لا مصدر ضغط إضافي.
- الأمر السابع: اعملي على تطوير نفسك، فابحثي عن هوايات جديدة، وتعلمي مهارات جديدة، واقرئي كتبا تثري روحك وعقلك، فهذا سيجعلك شخصية أكثر ثراء واستقلالية، وسيجعل حديثك مع صديقتك أكثر تنوعا وإثارة.
أختي الكريمة: تذكري دائما أن الله هو الذي يملك القلوب وهو القادر على أن يصلح ما بينك وما بين صديقتك، فتوكلي عليه واحتسبي عنده، وأكثري من الدعاء بأن يصلح ذات بينكما، فقد قال رسول الله ﷺ: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.
وتذكري أن كل ما يحدث لنا هو بتقدير الله لحكمة، فلعل في هذه الأزمة خيرا لك لم تدركيه بعد، ولعلها فرصة لتقوي علاقتك بالله، ولتصبحي شخصية أكثر استقلالية وقوة، ولتتعلمي معنى التوازن في العلاقات.
أختي الكريمة: لا تيأسي فالأمور بيد الله، وما دامت صديقتك ما زالت موجودة في حياتك ولو بشكل أقل فهذا يعني أن هناك أملا كبيرا في إصلاح العلاقة، فابدئي بنفسك أولا وأصلحي ما في قلبك من تعلق غير صحي، وتقربي من الله وستجدين أن الأمور ستتحسن بإذن الله.
أخيرا: الصداقة في الإسلام لها مكانة عظيمة، فالمؤمن مرآة أخيه، والمرء على دين خليله. لكن الصداقة الحقيقية هي التي تقوم على الحب في الله، وتكون عونا على طاعة الله لا على معصيته، وتكون مصدر قوة لا ضعف، ومصدر راحة لا قلق، قال رسول الله ﷺ:المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.
نسأل الله أن يصلح ذات بينكما، وأن يجعل حبكما في الله، وأن يملأ قلبك سكينة وطمأنينة، وأن يرزقك صداقات صالحات تعينك على طاعته، وأن يجعلك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
والله الموفق.