أشعر بثقل الذنوب وأريد العودة إلى ماضي النقاء والراحة، فما توجيهكم؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حياكم الله

أنا فتاة تعرضت لفتنة كبيرة بدأت منذ عامين، حين دخلت موقعا لممارسة اللغة، ومن هنا فتح باب شر. تعرفت إلى شباب كثر؛ منهم من كانت معهم محادثات متكررة، ومنهم من تطور الحال حتى صرنا في علاقة حب غير شرعية، وللأسف يصعب علي قولها، ولكن كنت مجرد أداة لتفريغ شهوة.

لم أتعلم من خطئي، فكنت أبحث عن شيء ليس من حقي، وتكررت الفعلة، كانت كلها على الإنترنت.

الآن أنا أشعر بثقل كل هذه الذنوب، أريد العودة لقلب تلك الفتاة الشريفة، أشعر بالذنب تجاه نفسي وتجاه أهلي، أنا في حيرة وفي شتات من أمري، ظلمت نفسي ظلما كثيرا.

فأرجو عونكم ونصحكم: ماذا أفعل في أمري؟ وكيف أعود لتلك الفتاة؟ هل من سبيل لأعود؟!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حبيبة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

ما كتبته لا يخرج من قلب فاسد ولا من نفس ميتة، بل من قلب حي أفاق بعد غفلة، وتألم بعد انكسار، وكره ما وقع فيه، ولو كنت كما يوسوس لك الشيطان: ساقطة بلا رجعة، لما شعرت بهذا الثقل، ولا بهذا الندم، ولا بهذه الرغبة الصادقة في العودة، فاهدئي أولا، واطمئني؛ فالله تعالى ما أيقظ قلبك الآن إلا لأنه يريد لك النجاة لا الهلاك.

أختي الكريمة: ما حصل معك لم يبدأ فجأة، ولم يكن قفزة واحدة إلى الفتنة، بل كان اتباعا لخطوات الشيطان خطوة خطوة، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان﴾. بدأت المسألة بما ظننته أمرا بريئا: تعلم لغة، ثم تعارف، ثم حديث متكرر، ثم تعلق قلبي، ثم تجاوزات محرمة، وهكذا يعمل الشيطان؛ لا يقول للإنسان: ازن، بل يقول: تحدث، ثم تعود، ثم اطمئن، حتى إذا وقع الذنب قال: انتهيت، ولن تعودي كما كنت، وهذه آخر مكائده وأخطرها.

أريدك أن تفهمي أمرا مهما جدا: ما وقع منك لن يكون صفة ملازمة لك، ولا يلغي حياءك السابق، ولا يمحو شرفك في ميزان ربك، أنت لم تكوني تبحثين عن الحرام لذاته، بل كنت تبحثين عن احتواء، وعن شعور ناقص، وعن شيء ظننت أنه يسد فراغا داخلك، فاستغل ضعفك، وكنت -كما قلت بصدق- أداة لتفريغ شهوة، وهذا يزيدك أجرا في التوبة -بإذن الله- ولا ينقصك؛ لأن الله تعالى يعلم ما في قلبك، وهو القائل: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾.

أما شعورك بالذنب تجاه نفسك وأهلك، فهو شعور صحيح في أصله، لكنه إن تجاوز حده انقلب إلى جلد للنفس يريده الشيطان ليحبسك في الماضي، والله لا يريد منك أن تكرهي نفسك، بل أن تكرهي الذنب، وتعودي إليه تعالى، وقد قال النبي ﷺ: الندم توبة، فندمك هذا ليس علامة هلاك، بل علامة بداية.

تسألين: هل من سبيل أن أعود؟
وأجيبك بيقين لا مجاملة فيه: نعم، فالطريق مفتوح، والعودة ممكنة، بل قد تعودين أنقى وأقرب إلى الله تعالى مما كنت قبل الذنب، قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾، وقال سبحانه: ﴿إن الله يحب التوابين﴾، ولم يقل: الذين لم يذنبوا، لكن العودة لا تكون بالأمنيات، بل بخطوات واضحة وصادقة، وأضعها لك بهدوء:

أولا: اقطعي كل طريق يوصلك للماضي بلا استثناء، لا حسابات قديمة، لا مواقع تعارف، ولا “نرجع نطمئن”، لا حديث بحجة اللغة أو الفضفضة، النبي ﷺ قال: ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه لا تجعلي للشيطان بابا مفتوحا ثم تلومين نفسك على الدخول.

ثانيا: املئي الفراغ الذي كان باب الفتنة، الفراغ لا يعالج بالإنكار، بل بالبديل، وقتك الذي كان يضيع في المحادثات لا بد أن يملأ بتعلم نافع، عمل صالح، حفظ قرآن، رياضة، مهارة، أي شيء يشغلك حقيقة، النفس إن لم تشغل بالحق شغلتك بالباطل.

ثالثا: غيري البيئة والصحبة، لا تعيشي وحدك نفسيا، ابحثي عن امرأة صالحة واحدة فقط، صادقة، رحيمة، تعينك على الثبات، قال ﷺ: المرء على دين خليله؛ العزلة بعد التوبة خطر؛ لأنها تعيدك لنفس الطريق.

رابعا: اجعلي عبادتك عبادة ترميم لا عقاب، لا تصلي لأنك مذنبة، بل لأنك راجعة، قرآن بتدبر، دعاء في السجود، وبكاء صادق بينك وبين الله تعالى، وقولي كما كان النبي ﷺ يقول: اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها.

خامسا: احذري من احتقار نفسك، الشيطان بعد الذنب يقول: أنت رخيصة، انتهيت، لا تستحقين الطهر، وهذه كذبة، الطهارة ليست ماضيا بلا أخطاء، بل حاضرا صادقا مع الله تعالى، وقد قال بعض السلف: “قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة، إذا أورثه ذلا وانكسارا”.

وأختم لك بهذه الحقيقة التي أريدك أن تتمسكي بها بقوة: أنت لم تفقدي نفسك، بل أضعتها مؤقتا، وها أنت تبحثين عنها بصدق، والله تعالى لا يرد عبدا جاءه منكسرا، ولا يفضح من ستره، ولا يهلك من أيقظه، عودتك ليست وهما، لكنها ستكون عودة أعمق، وأوعى، وأقرب إلى الله، وأشد حذرا من خطوات الشيطان إن صدقت مع الله تعالى في عودتك وتوبتك.

اثبتي، واقطعي الطريق، واملئي الفراغ، وصاحبي الصالحات، واصدقي مع الله تعالى، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).

ثبتك الله على مرضاته، ووقاك طريق الشر والسوء والفحشاء، وجعلك من المخلصين.

مواد ذات صلة

الاستشارات