السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب أحاول ترك بعض الأمور الضارة في حياتي، وقد نجحت في بعضها بالفعل -ولله الحمد-، وكانت نيتي خالصة لله، لكن سؤالي: هل من الطبيعي أن يكون الحافز الدنيوي أكبر أحيانا؟
على سبيل المثال: أحاول الإقلاع عن التدخين، وكان سبب تفكيري الأول في تركه هو المحافظة على صحة أفضل، أعني أسبابا دنيوية، غير أنني أريد أن تكون نيتي خالصة لله عز وجل، ليقبلها ويعوضني خيرا.
وبشكل أدق: هل يجب أن تكون النية منذ البداية أنني أترك الشيء لله؟ مع العلم أنني أبدأ في ترك بعض الأمور لأسباب دنيوية، ثم أجعل نيتي لله، كي أعيش على المنهج الصحيح.
جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ فارس حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.
أولا: أحييك -أخي الكريم- على هذا الحرص على تصحيح النية وإخلاصها لله عز وجل، فهذا يدل على يقظة في القلب وحرص على قبول العمل، وهذه بذاتها نعمة عظيمة من الله تعالى، فكثير من الناس يغفلون عن هذا الأمر الخطير.
فهمنا من رسالتك أنك تحاول ترك بعض الأمور المضرة كالتدخين، وأن الحافز الأول أو الأكبر عندك هو حافز دنيوي كتحسين الصحة، ثم تريد أن تجعل النية خالصة لله تعالى، وتسأل: هل يجب أن تكون النية من البداية خالصة لله؟ وهل يجوز أن تبدأ بحافز دنيوي ثم تضيف إليه النية الإيمانية؟
أخي الكريم: هذا سؤال عميق يتعلق بحقيقة التوحيد والإخلاص، ويمكن أن ننظر إليه من عدة زوايا:
الزاوية الأولى: من زاوية طبيعة النفس البشرية ودوافعها؛ فمن الطبيعي جدا أن يكون للإنسان دوافع متعددة في أفعاله، فالله تعالى خلقنا بفطرة تميل إلى جلب المنافع ودفع المضار، وهذا ليس عيبا في ذاته، فحين يترك الإنسان التدخين لأجل صحته، فهذا أمر مشروع ومحمود، بل إن حفظ الصحة والبدن من مقاصد الشريعة الإسلامية.
لكن الكمال أن يرتقي المؤمن بهذا الحافز الدنيوي المشروع فيربطه بالنية الإيمانية، فيقول في نفسه: أترك التدخين لأن الله تعالى استأمنني على هذا الجسد، ولأن الله يحب أن أكون قويا معافى؛ ولأن في تركه طاعة لله باجتناب الخبائث والمضار؛ ولأنني أريد أن أستثمر صحتي في طاعة الله وخدمة دينه.
الزاوية الثانية: حكم النية المختلطة، يقول الله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}، ويقول سبحانه: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء}، والنبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وهذا الحديث يبين أن قبول العمل وثوابه مرتبط بالنية.
والعلماء يقسمون النية إلى ثلاثة أقسام:
- القسم الأول: نية خالصة لله تعالى، وهذه هي الأكمل والأفضل، وهي التي يكون فيها قصد العبد وجه الله تعالى والدار الآخرة فقط، دون أي التفات لمصلحة دنيوية أو ثناء الناس أو غير ذلك.
- القسم الثاني: نية مختلطة، فيها جانب لله وجانب للدنيا، كمن يتصدق ليثاب من الله ويحمد من الناس، أو يترك المعصية لله وللصحة معا، وهذه النية تنقص من كمال الأجر، لكنها لا تبطل العمل إذا كان فيها جانب لله تعالى، وإن كانت أقل درجة من الأولى.
- القسم الثالث: نية خالصة للدنيا فقط، وهذه لا أجر فيها عند الله تعالى، كمن يترك التدخين فقط لأجل الصحة دون أي التفات لأمر الله أو نهيه، وهذا القسم نوعان: نوع محرم يتعلق بالعبادات، كمن يصلي ليراه الناس لا ليلبي أمر الله، ونوع جائز كمن ترك التدخين لأجل صحته، فهذا ليس حراما، ولكنه لا يؤجر على مجرد هذا الفعل، إلا إذا استحضر نوايا تتعلق بتنفيذ أمر الله كما سبق وأن قدمنا.
فإذا كنت -أخي الكريم- قد بدأت بحافز دنيوي ثم أضفت إليه نية التقرب إلى الله، فأنت الآن في القسم الثاني، وهذا خير من القسم الثالث، ويرجى لك الأجر بقدر ما في قلبك من نية صالحة لله تعالى.
الزاوية الثالثة: كيف تصحح النية وتخلصها لله؟
الإخلاص أمر يحتاج إلى مجاهدة ومراقبة مستمرة، ولا يحصل دفعة واحدة في الغالب، بل يتحقق بالتدرج والتدريب.
من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله تعالى- على تصحيح النية:
1. استحضار عظمة الله تعالى وأنه المستحق وحده للعبادة والطاعة، وأن كل نعمة في حياتك هي منه سبحانه، فصحتك وقوتك وعافيتك كلها من فضله، فكيف تطيعه لأجل الصحة ولا تطيعه لأجل محبته وتعظيمه؟
2. تذكر الآخرة وأن الدنيا فانية، وأن الأعمال كلها ستوزن يوم القيامة، يقول الله تعالى: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا"، فإذا كان عملك خالصا لله كان في ميزانك، وإذا كان للدنيا فقط لم ينفعك يوم القيامة.
3. تجديد النية باستمرار، فحين تهم بترك المعصية أو فعل الطاعة، تتوقف لحظة وتقول في نفسك: اللهم إني أفعل هذا ابتغاء وجهك الكريم، اللهم تقبله مني وأعني على إخلاصه لك.
4. الدعاء الدائم أن يعينك الله على الإخلاص، فالإخلاص هبة من الله تعالى، وكان السلف يقولون: ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص.
6. قراءة سير الصالحين وكيف كانوا يجاهدون أنفسهم على الإخلاص، فهذا يشحذ الهمة ويرفع المستوى الإيماني.
الزاوية الرابعة: الفرق بين الحافز والنية:
هناك فرق دقيق بين الحافز الذي يدفعك لفعل الشيء، وبين النية التي تقصدها من الفعل، فمثلا: قد يكون الحافز الذي دفعك لترك التدخين هو شعورك بالتعب أو خوفك من المرض، وهذا أمر طبيعي ومشروع، لكن بعد أن بدأت الفعل، يمكنك أن تصحح النية وتجعلها لله تعالى، فتقول: نعم، بدأت بسبب صحتي، لكنني الآن أكمل لأن الله يحب أن أحفظ جسدي، ولأن هذا الجسد أمانة عندي، ولأن الله نهى عن إلقاء النفس في التهلكة، ولأنني أريد أن أكون قويا صحيحا لأخدم ديني وأمتي.
فإذا استحضرت هذه المعاني وأنت تواصل تركك للتدخين، فأنت تحول الفعل من فعل عادي إلى عبادة يثاب عليها، وهذا من فضل الله تعالى على عباده.
أخيرا أخي الكريم:
-لا تستصغر نفسك ولا تحتقر ما أنت فيه من خير، فمجرد أنك تسأل عن تصحيح النية، وتحرص على الإخلاص، فهذا دليل على خير في قلبك، والله تعالى يقول: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}، فإذا جاهدت نفسك على الإخلاص، فإن الله سيهديك ويعينك.
- لا بأس أن تبدأ العمل بحافز دنيوي مشروع، ثم تضيف إليه النية الصالحة لله تعالى، وتجاهد نفسك على تصفية النية وتخليصها لله، فهذا هو سبيل المؤمنين الصادقين.
- الإخلاص التام الكامل درجة عالية لا يصل إليها إلا القليل، لكن المطلوب منك أن تجاهد نفسك وتسعى إليه، وأن يكون لله تعالى في قلبك نصيب من النية، ثم تزيد هذا النصيب شيئا فشيئا حتى يصفو القلب لله تعالى.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يعينك على طاعته، وأن يرزقك الإخلاص في القول والعمل، وأن يتقبل منك صالح أعمالك، إنه سميع مجيب.