السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شخص ارتكبت كبيرة من الكبائر، ثم تبت إلى الله -ولله الحمد-، لكن بقي أثر من تلك المعصية، وبدأت تراودني وساوس بأنها ستسبب لي ضررا وظيفيا، وأن زوجتي مستقبلا إذا رأت هذا الأثر فقد تخرب حياتي، أدعو الله دائما أن يزيل هذه الآثار، وحاولت إزالتها بنفسي ولكن لم أستطع.
ما الذي تنصحونني به؟ فالخوف يأتيني أحيانا ويشعرني بأن حياتي قد خربت، ويصيبني ضيق وندم على الماضي، وأتساءل: لماذا فعلت ذلك؟ وهل الوظيفة رزقها مكتوب ولا تتأثر بما فعلت؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Saleh حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك أخي الكريم في استشارات إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى:
أسأل الله تعالى أن يتقبل توبتك، ويشرح صدرك، ويبدل سيئاتك حسنات، وأن يرزقك طمأنينة القلب بعد القلق، وأمنا بعد الخوف.
سأرد على استشارتك بشيء من التفصيل فأقول:
من شروط التوبة النصوح أن يقلع العبد عن الذنب، وأن يندم على ما فعل، ويعزم على عدم العودة لارتكابه، وواضح من خلال استشارتك أن هذا الشرط متوفر فيك، فلا تقلق، وخوفك وندمك بين جدا، والله جل في علاه قد وعد بقبول توبة عبده إن تاب وأناب، قال الله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾، وقال سبحانه: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولٰئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾، فأنت عند الله في صفحة جديدة، وما كان قبل التوبة يمحى بفضل الله تعالى.
يقول عليه الصلاة والسلام: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، ويقول أيضا: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
من الشروط المهمة في قبول التوبة أيضا رد الحقوق لأهلها إن كان الذنب متعلقا بحقوق الآخرين.
مهما كان ذنب العبد، ثم تاب توبة نصوحا، فإن الله يقبل توبته ويغفر ذنبه، والأمر كما قال ربنا جل في علاه: (قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ۚ إن الله يغفر الذنوب جميعا ۚ إنه هو الغفور الرحيم)، ويقول: (والذين لا يدعون مع الله إلٰها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ۚ ومن يفعل ذٰلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهانا، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا، فأولٰئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيما) وفي الحديث الصحيح يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها).
ما تعانيه الآن هو وسواس وخوف مستقبلي لا حقيقة قائمة له، والذي يظهر من كلامك أن المشكلة لم تعد في الذنب نفسه، بل في الخوف من انكشاف الأثر، والقلق على الوظيفة، والرعب من نظرة الزوجة مستقبلا، وتأنيب النفس المتكرر: "لماذا فعلت؟ حياتي خربت".
هذا التفكير المتكرر يسمى في علم النفس اجترارا قهريا، وهو من مداخل الشيطان بعد التوبة؛ لأنه إذا عجز عن إيقاع العبد في المعصية، حاول أن يوقعه في اليأس والقنوط، وأذكرك أخي الكريم بقول ربنا الرحيم الودود: ﴿لا تقنطوا من رحمة الله﴾، فتفاءل وأيقن أن رحمة الله قريبة من المحسنين.
الذنب يؤثر على رزق العبد إن لم يتب، يقول عليه الصلاة والسلام: "وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه"، والتوبة الصادقة تمحو الذنوب، بل قد تجعل البلاء رحمة ورفعة، وعليه فلا أثر للذنب بعد التوبة.
الرزق -ومنه الوظيفة- مكتوب للعبد قبل أن يخلقه الله، قال النبي ﷺ كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في صحيح مسلم: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه… ثم يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فرزقك لن يأخذه غيرك، ولن يفوتك شيء كتبه الله لك.
أخي الكريم، من الربط النفسي الخاطئ ربطك لفعلك الذنب بانتهاء حياتك، فالحياة لا تنتهي بمجرد أن يفعل الإنسان الذنوب، ولا شك أن هذا من وساوس الشيطان الرجيم ليوقعك في اليأس من رحمة الله، فاحذر من الإصغاء لتلك الوساوس أو التحاور معها.
إزالة أثر الذنب يكون بالتصديق بوعد الله وبوعد رسوله كما سبق، فالله يقبل توبة العبد مهما كانت ذنوبه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وهذا كاف في طمأنة النفس.
ليس واجبا عليك شرعا أن تفضح نفسك أو تخبر زوجتك المستقبلية بمعصية قد تبت منها، وتاب الله عليك، فالإخبار يدخل في باب المجاهرة التي قال عنها نبينا صلى الله عليه وسلم: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، ويعد الستر على النفس بعد التوبة من تمام الشكر لله.
سألت عن كيفية التعامل مع الندم فأقول: الندم نوعان، صحي ومرضي؛ فالصحي هو الذي يدفعك للطاعة ويقربك من الله تعالى، فكلما تذكرت الذنب ندمت وأكثرت من فعل الطاعات، والمرضي هو الذي يشل حركتك ويدخلك في اكتئاب.
من العلاج العملي المهم في هذا الجانب إيقاف الحوار مع النفس: "لماذا فعلت؟" — فالماضي لا يعاد، واجتراره واستصحابه فيه خطورة بالغة.
إذا جاءك الخاطر فقل مباشرة: لقد تبت، والله غفور رحيم، وغير الفكرة، وانتقل لأمر آخر، كأن تشغل نفسك بعمل نافع أيا كان.
- أكثر من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب)، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ (إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك).
- عليك بدعاء الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم".
- أكثر من دعاء ذي النون: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له).
- تصدق ولو بالقليل؛ فالصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
- أكثر من نوافل الصلاة والصوم، واجعل لنفسك وردا يوميا من القرآن، فلو قرأت بعد كل صلاة ورقتين من المصحف لختمت في كل يوم جزءا كاملا، فكثرة العمل الصالح تجلب الحياة الطيبة الهادئة المطمئنة، كما قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثىٰ وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ۖ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
- حافظ على أذكار اليوم والليلة، تكن محصنا بإذن الله تعالى.
أسأل الله تعالى أن يمن عليك بالطمأنينة والحياة السعيدة، وأن يذهب عنك وساوس الشيطان، إنه سميع مجيب.