نقلت كلامًا لصديقتي فحدثت فتنة بسبب ذلك، فكيف أصلح الأمر؟

0 0

السؤال

كانت لدي في المدرسة صديقة مقربة جدا، وكنت أغار عليها من بقية الطالبات، وبعد فترة كونت صداقة مع أخرى، وبدأت تبتعد عني، فشعرت بالغيرة والانزعاج، ثم سمعت من إحدى صديقاتها كلاما غير صحيح عنها، فاستغللت الأمر وأخبرتها به لأظهر لها أنني الأفضل، من غير أن أدرك أنني بذلك أحدث فتنة.

وبسبب ما فعلت، نشبت مشكلة كبيرة بينهما، وتأذى الطرفان رغم أنني لم أكن أقصد ذلك أبدا. حاولت إصلاح ما حدث، لكنني لم أستطع، وأشعر الآن بالندم، وأسأل: ماذا يجب علي فعله للتكفير عن ذنبي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ... حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أختي الكريمة، ما تشعرين به الآن من ندم وقلق ليس علامة سوء، بل علامة لحياة قلب يرفض أن يمر الخطأ دون مراجعة، ولو كان الأمر هينا في نفسك لما بحثت عن إصلاحه، ولا سألت عن التكفير عنه، وهذا في ذاته خير عظيم.

ودعينا نضع الأمور في ميزانها الشرعي بهدوء: ما حدث منك يدخل في باب نقل الكلام الذي يفسد بين الناس، ولو لم يكن بقصد الإفساد المباشر، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم﴾، وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة نمام"، والمقصود هنا ليس تخويفك، بل تنبيهك إلى أن العلاقات أمانة، والكلمة قد تهدم ما لا تهدمه السنوات، فاتقي الله تعالى.

وفي المقابل، تأملي القاعدة الأخرى: الذنب الذي يعقبه ندم وسعي للإصلاح يرجى أن يكون سبب رفعة، لا سبب سقوط، قال تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾، ولا شك أن ما حصل لم يكن بدافع خبث متأصل، بل بدافع غيرة غير منضبطة، والغيرة في أصلها شعور طبيعي، لكن حين لا يهذب يتحول إلى تعلق مرضي.

وهنا ستحتاجين إلى وقفة تربوية صادقة، هي: أن الصداقة في الإسلام مبناها على قوله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾، أي أن الرابط الحقيقي هو التقوى، لا التملك، ولا الاحتكار، ولا الحاجة العاطفية المفرطة.

وإن من مظاهر التعلق المرضي التي ينبغي لك الحذر منها:
• الغيرة الزائدة من أي علاقة أخرى لزميلتك مع طرف آخر.
• الشعور بأن الصديقة ملكية خاصة.
• تضخيم أي تقارب لها مع غيرك.
• ربط قيمتك الذاتية بقربها منك.
• السعي لإقصاء الآخرين ولو بطرق غير مباشرة.
وهذا النمط يتعب صاحبه قبل غيره؛ لأنه يجعل العلاقة مصدر قلق لا سكينة.

أما ماذا تفعلين الآن عمليا؟
أولا: إن استطعت الإصلاح دون تجديد الفتنة، فافعلي، تواصلي بهدوء مع كل طرف على حدة، وكوني صريحة قولي: "أنا أخطأت بنقل الكلام، ولم أقصد الإفساد، وأستغفر الله تعالى، وأعتذر"، لا تبرير، ولا تحميل طرف ثالث المسؤولية، الصدق يريحك ولو لم يصلح كل شيء.

ثانيا: إن لم يمكن الإصلاح المباشر، فأكثري من الدعاء لهما بظهر الغيب، واذكري كل واحدة بخير في المجالس، فإن هذا من أعظم ما يكفر أثر الخطأ.

ثالثا: عالجي الجذر لا العرض، اسألي نفسك: لماذا شعرت أن ابتعادها تهديد؟ غالبا لأن هناك فراغا داخليا، أو حاجة لتأكيد الذات، إذا: املئي هذا الفراغ بتطوير نفسك: مهارة جديدة، أو قراءة منتظمة، أو حفظ قرآن، أو نشاط اجتماعي نافع، ...إلى غير ذلك من النشاطات التي تملئين بها وقت فراغك، تذكري: حين تتسع حياتك، لا تختنق بعلاقة واحدة.

رابعا: وسعي دائرة معارفك دون سطحية: وجود أكثر من صديقة يحقق توازنا صحيا، ويمنع التعلق المفرط بشخص واحد، النبي ﷺ كانت له صحبة متعددة، ولم يرب أحدا على الاحتكار العاطفي.

خامسا: أعيدي تعريف الصداقة في داخلك: الصديقة ليست من تخصك، بل من تعينك على طاعة الله تعالى، وليست من تلازمك دائما، بل من تبقى المودة بينها وبينك وإن قل اللقاء.

سادسا: دربي نفسك على التوسط في المشاعر: الاعتدال خلق قرآني، قال تعالى: ﴿وكذٰلك جعلناكم أمة وسطا﴾. حتى في الحب والكره، قال عمر رضي الله عنه: "أحبب حبيبك هونا ما…" أي باعتدال، لئلا يتحول الحب إلى ضعف.

وأختم لك بأمر يطمئن قلبك: ما دمت قد أدركت الخطأ، وتألمت له، وتسعين لتكفيره، فقد انتقلت من مرحلة الانفعال إلى مرحلة النضج، العلاقات في هذه المرحلة العمرية كثيرا ما تختلط فيها العاطفة بالأنانية الخفية، لكن التربية الصادقة تجعلنا نخرج منها أعمق فهما وأصفى قلبا.

اجعلي هذه الحادثة درسا في ضبط الكلمة، وتزكية النية، وتوازن العاطفة، وستجدين – بإذن الله تعالى – أن صداقاتك القادمة أنضج، وأهدأ، وأقرب إليه سبحانه، وفقك الله للصحبة الصالحة، ورزقك نية الخير، ونفع الغير.

وبالله التوفيق.

مواد ذات صلة

الاستشارات