السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما الفرق بين النفس اللوامة التي تريد لصاحبها الخير، وبين جلد الذات؟ إذ أنها مهما عملت، وتعبت، فلا يفرح بها صاحبها، ويركز على أقل خطأ بشكل عنيف وموجع، وكيف تتأكد بأن قلبك سليم، خصوصا إذا كان الشخص لديه ماض وحاضر عظيم مع الوسوسة؟
وكيف يفرق بين الوسواس، وبين نكت القلب السوداء الحقيقية، مثل الرياء، أو العجب، أو الكبر، وهذه المعاصي القلبية؟ إذ أنها من أقوى العوامل التي تشجعه على لوم نفسه، وفعل ما ذكرته سابقا هو شعوره بهذه المشاعر، مع أنه لا يدري هل هي وسوسة أم حقيقة؟
ها هو رمضان مقبل -بإذن الله- تبارك وتعالى، فكيف ينجو هذا الشخص من تأنيب ضميره القاسي؟ إذ أنه مهما فعل واجتهد لا يرضى، ويتهم نفسه بكل شيء، مع العلم أن هذا الأمر يؤثر على صحته النفسية بشكل كبير جدا.
بارك الله فيكم، وجزاكم عنا كل خير.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
بداية: هنيئا لك هذا الحرص على صلاح نفسك في هذه السن المبكرة؛ فهذا الحرص دليل حياة في القلب، ونضج، ووعي محمود، ورغبة حقيقية في الفهم العميق للنفس، وطرق تزكيتها، ولأن سؤالك عميق ومتعدد الجوانب، سأقوم بتقسيمه إلى محاور، وأسأل الله أن يوفقك لفهمها والعمل بها:
التساؤل الأول: كيف تميزين بين النفس اللوامة وجلد الذات؟
الفرق الجوهري بين النفس اللوامة وجلد الذات لا يكون في الشعور ذاته، بل في الأثر والنتيجة والثمرة، فالنفس اللوامة تدفع صاحبها إلى العمل، وتحثه على الإصلاح، أما جلد الذات فيدفع إلى العجز، والشلل النفسي، واليأس من التغيير.
لذلك فالنفس اللوامة نفس مؤمنة، أقسم الله تعالى بها تعظيما لشأنها، فقال ﴿لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾؛ فهي أشبه ببوصلة داخلية يقيمها الله في قلب المؤمن، تعاتبه عند التقصير، وتوقظه عند الغفلة، وترده إلى الطريق الصحيح إذا زل، فيدفعه ذلك إلى الاستغفار والتوبة والرجوع، فتكون ثمرتها راحة القلب، والسكينة بعد التوبة، والإقبال على الله، وتصحيح المسار.
أما جلد الذات -فيختلط على الكثيرين- لأن ظاهره يشبه النفس اللوامة، لكن في حقيقته صورة من صور الاضطراب النفسي، وغالبا يكون مرتبطا بالوسواس القهري، فهو احتقار دائم للنفس، والتركيز على النقائص وحدها، وتجاهل النعم والإنجازات، فتكون ثمرته ثقل العبادة، وذهاب لذتها، واليأس والقنوط، وقد يصل بصاحبه إلى تدهور كبير في الصحة النفسية.
ويمكن التفريق بينهما بشكل دقيق، بأن شعور النفس اللوامة يقول لك: (أخطأت، فاستغفري وأصلحي)، فهي تلوم الذنب المحدد لا ذاتك، وتقودك إلى التوبة، ثم تمنحك سكينة بعد ذلك.
أما جلد الذات فلا يلوم الفعل، بل يهين الذات، فيقول لك: (أنت سيئة، أنت فاسدة، لن يقبل الله منك)، فلا يقود إلى توبة، بل إلى اكتئاب وقنوط، ويضخم أصغر خطأ ويجعله دليل فساد كامل للذات؛ لذلك صوته في النفس (أنت منافقة، كل ما تفعلينه رياء، لا خير فيك)؛ فالأول: رحمة من الله وفضل منه ليعود العبد إليه، أما الثاني: فغالبا من الشيطان؛ لأن نتيجته الحزن واليأس.
وبالتأمل في سؤالك، يظهر أن حالك أقرب إلى النفس اللوامة، لكن بسبب عدم فهم طبيعتها جعلك تقتربين من آثار جلد الذات؛ فأنت تريدين إصلاح نفسك، وتضيقين بتلك المشاعر السلبية التي تسبب لك الحزن والألم، وهذا من خصائص النفس اللوامة التي تطلب الاستقامة والصلاح، لكن مشاعر اليأس والعجز من إصلاح النفس وتهذيبها دفعتك إلى جوانب من جلد الذات.
التساؤل الثاني: كيف تعرف سلامة القلب؟
لا شك أن سلامة القلب هي سبب السعادة في الدنيا، والفوز في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾، والقلب السليم أعظم ما يناقض سلامته الشرك المناقض للتوحيد، والبدعة المخالفة للسنة والاتباع، والهوى المناقض للإخلاص والتجرد لله تعالى، فإذا سلم القلب من هذه الأصول الفاسدة، ظهرت عليه علامات كثيرة تدل على سلامته واستقامته، ومن أهمها:
- حياة القلب، وتشمل الطمأنينة بذكر الله، ومحبة القرآن، ومحبة الذكر، والخشوع ولين القلب عند ذكره، والتأثر بالمواعظ والتذكير.
- سلامة الإيمان والتعلق بالحق، وتتجلى في محبة الإيمان والطاعات، وبغض الكفر والفسوق والعصيان، وتعظيم شعائر الله، وأوامره، ونواهيه.
- الخشية، والإنابة، والاستقامة، وتشمل الخوف من الله، والرجوع إليه في كل حال، وسرعة التوبة والاستغفار عند الغفلة أو التقصير.
- الثبات القلبي، والرضا بالقدر، ويظهر ذلك في الصبر، والرضا، والتسليم عند المصائب، والسكينة والثبات في الفتن والمحن.
- سلامة الصدر، وحسن الخلق، وتشمل محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتوقيره، ومحبة أزواجه وصحابته، وسلامة الصدر لهم، ونقاء القلب من الحسد والغل والبغي، مع الرحمة بالخلق واتباع الحق.
التساؤل الثالث: الفرق بين الوسواس ونكت القلب "الذنوب القلبية".
أختي الفاضلة: هذه مسألة دقيقة ومهمة، ويرتبط بها جانب كبير مما تعانين منه، وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- بيانا شافيا حولها، فقد جاء الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى النبي فقالوا: (إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به)، فقال (أوقد وجدتموه؟) قالوا: نعم، قال: (ذاك صريح الإيمان)؛ والمعنى أن كراهتكم لهذه الخواطر، وتألمكم منها، وخوفكم منها، واستعظامكم لها، ومجاهدتكم لدفعها؛ كل ذلك دليل إيمان صريح، وليس دليل فساد قلب؛ لأن الشيطان إنما يوسوس للمؤمن لعجزه عن إغوائه، أما الكافر فيستسلم لهواه، ولا يجد حرجا، فإذا كنت تخشين الرياء، وتتألمين من مجرد الإحساس به، وتجاهدين لإخفاء عملك؛ فهذا إيمان وليس رياء.
المرائي لا يقلق من ريائه، بل يستمتع بثناء الناس، ويسعى لإظهار العمل، ويتعمد تحسينه ليمدح ويثنى عليه، أما القلب الذي تنكت فيه نكتة سوداء فهي نتيجة عن المعاصي القلبية التي تتراكم على القلب دون توبة أو استغفار فتهلكه، فعلامته الرضا بالمعصية، والاستمرار عليها، والمجاهرة بها، وعدم الخوف من الله، وعدم السعي إلى التوبة.
إذا -أختي الفاضلة- الوسواس خاطر قهري يهجم عليك رغما عنك، ويسبب لك ضيقا وألما، أما مرض القلب فهو سكون واستئناس بالصفات الذميمة، والرضا بها، وعدم الرغبة في علاجها، ومن هذا يتبين أن لديك جانبا من خاطر الوسواس القهري الذي يشعرك بعدم الرضا، رغم مبادرتك إلى الأعمال الصالحة والسعي فيها.
التساؤل الرابع: الذنوب القلبية وأثرها على الرضا النفسي والسعادة:
الذنوب الظاهرة من الأقوال والأفعال، والذنوب الباطنة من أمراض القلوب كالحسد والرياء والعجب، لا شك أن لها أثرا عميقا في نفس الإنسان، لكن هذا الأثر يختلف باختلاف قوة الإيمان، روي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار)، فخوف المؤمن خوف صحي يدفعه إلى التوبة، والرجوع إلى الله، والاستمرار في الخير، والاجتهاد في إصلاح النفس، وليس خوفا يوقعه في القنوط واليأس.
أختي الفاضلة: لا ينبغي للمسلم أن يقسو على نفسه، أو يحملها ما لا تطيق من العمل، فإذا اجتهد في تحقيق مراد الله، وسار على شرعه واتباع سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وجاهد نفسه في الإخلاص، وحسن الأخلاق مع الناس، فهو على خير عظيم، فينبغي أن يحسن الظن بالله تعالى، ولا يفتح للشيطان بابا ليصل إلى قلبه فيشعره بالعجز والقنوط، قال الله تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، فإذا شعرت أن نفسك تقسو عليك، فذكريها بأن لك ربا رحيما، حليما، غفورا، وإذا شعرت أن النفس تتمادى في الشر، فخوفيها بعقاب الله، وهذا هو حال المؤمن، يسير إلى الله بين الخوف والرجاء كجناحي طائر لا يستغني عن أحدهما، وقد وصف الله أنبياءه فقال: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾.
فالكمال لله وحده، ولا يوجد أحد معصوم من الخطأ أو الزلل -إلا الأنبياء فيما يبلغون عن ربهم-، لذلك فتح الله باب التوبة، والرجوع إليه، فإن زلت قدم الإنسان في معصية، أو تقصير، راجع نفسه، وتاب، واستغفر، وبادر إلى الخير، وهذا هو حال المؤمن، قال الله تعالى عن المتقين: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لن يدخل أحدا عمله الجنة) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).
فالشيطان يريد أن يفتح عليك باب اليأس، عبر وسواس المثالية المفرطة، بينما الله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).
أختي الفاضلة: إذا جاءتك خواطر سلبية فاستعيذي بالله، ولا تسترسلي معها، وقولي: (آمنت بالله ورسله)، واستمري في عملك؛ فالمناقشة والتوسع في التفكير يغذيان الوسواس، والإعراض يزيله، ركزي على معرفة الله، وصفاته، ورحمته، بدل التركيز المفرط على نفسك المقصرة، واقرئي عن سعة رحمته، وكيف يفرح بتوبة عبده،
أكثري من تنمية الأعمال القلبية: كالإخلاص، والرجاء، والخشية، والحب لله، وبعد الأعمال القلبية القيام بأداء الفرائض على أكمل وجه، والإكثار من النوافل، وذكر الله تعالى في كل وقت، وتلاوة القرآن بتدبر وحضور قلب، والإحسان إلى الخلق، فكل هذه الأعمال تقود إلى سلامة القلب، وتحقق السعادة والطمأنينة التي تسعين إليها، قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثىٰ وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ۖ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
وفقك الله، ويسر أمرك.