السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا رجل في الأربعين من عمري، بعد وفاة والدي، وبعد أشهر قليلة على الأكثر، تغير حال أسرتنا، وبدأت المشكلات تتتابع، وصار عدم التوفيق يلازمنا، فأختي الكبرى أصبحت على عداء غير مبرر معي ومع والدتي، وقد رزقت طفلة تعاني من مشكلات في الدماغ، طريحة الفراش منذ سبعة عشر عاما، وتعاني من أمراض كثيرة.
وأما أختي الثانية، فقد رزقت بمولود مصاب بضمور في الدماغ، وقد توفاه الله في سن السابعة، وأنا رزقت بولد مصاب بالتوحد، وآخر يعاني من البهاق.
نحن نحمد الله في جميع الأحوال والظروف، فنعمه كثيرة لا تحصى، ولكننا نشعر بغياب التوفيق في جوانب عديدة من حياتنا، وكأن الفرح والسرور بعيدان عنا.
وسؤالي: هل يمكن أن يكون ما نمر به بسبب سحر أو حسد، خاصة أن هناك بعض الأقارب الذين نعلم أنهم يحملون لنا الحقد والكراهية ويتمنون لنا السوء؟ وكيف يمكن أن نتأكد من ذلك؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مازن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلوبكم، وأن يجعل ما أصابكم رفعة في الدرجات وتكفيرا للذنوب، وأن يبدل أحزانكم سكينة وطمأنينة.
وللرد على استشارتك دعنا نجيبك من خلال ما يلي:
1- ما تشعرون به مفهوم بصورة عامة، لأن تتابع الابتلاءات يجعل القلب يبحث عن تفسير جامع لها، لكن الأصل الشرعي أن ما يقع في حياة الناس من أمراض وابتلاءات يدخل في سنن الله في الكون، فقد قال الله تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات﴾، فالابتلاء سنة عامة لا تختص بأسرة دون أخرى، وكثير من العائلات تمر بابتلاءات متتابعة دون أن يكون السبب سحرا أو حسدا.
2- الأمراض التي ذكرتها مثل التوحد، والضمور الدماغي، والمشكلات العصبية، والبهاق، كلها أمراض معروفة طبيا ولها أسباب وراثية أو عصبية أو مناعية، وهي منتشرة في العالم كله بين ملايين الناس من غير ارتباط بسحر أو حسد، ربط كل هذه الحالات بسبب غيبي واحد يرهق القلب ويغلق باب التعامل الواقعي مع الحياة.
3- الإيمان بالحسد والسحر موجود في الشرع، لكن الشرع لا يجعل الغيب التفسير الأول لكل حدث، بل يضع قاعدة مهمة: لا يبنى الاعتقاد على الظنون والقرائن العامة، قال الله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾، فمجرد وجود أناس يكرهونكم أو يتمنون لكم السوء لا يعني أنهم سبب ما يحدث.
4- الشعور بغياب التوفيق بعد وفاة الأب أمر شائع نفسيا واجتماعيا؛ لأن الأب غالبا يكون مصدر الأمان والاستقرار والقرار، وبعد فقده تتغير أدوار الأسرة وتزداد الضغوط وتظهر الخلافات وتضعف المساندة، فيشعر الإنسان أن البركة قلت، بينما الواقع أن الركيزة التي كانت تجمع الأسرة قد غابت.
5- البحث المستمر عن سبب خفي يزيد القلق ويغذي الخوف، بينما الطريق الصحيح هو الجمع بين التحصين المشروع والأخذ بالأسباب الواقعية، دون الانشغال بتحديد هل هناك سحر أو لا، والتحصين يكون بالأذكار اليومية، وقراءة القرآن، والصدقة، وهذه عبادات نافعة في كل الأحوال سواء وجد حسد أم لم يوجد.
6- لا يوجد طريق شرعي جازم للتأكد من وجود سحر أو حسد؛ لأن هذه أمور غيبية لا تثبت بالتخمين ولا بالمشاعر، لذلك يوجهنا الشرع إلى الانشغال بما ينفع: الدعاء، والرضا، وإصلاح العلاقات، والعلاج الطبي، وبناء الحياة من جديد.
7- ما تعيشونه ابتلاء، لكنه ليس علامة غضب ولا حرمان، بل قد يكون باب أجر عظيم، فإن الله تعالى يقول: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾، وكثرة الابتلاء ليست دليلا على كثرة الحسد، بل قد تكون دليلا على رفعة المنزلة عند الله، على أن هناك من هم أشد منكم ابتلاء وأعظم، وكل ذلك لحكمة يعلمها الله تعالى.
نسأل الله أن يبدل همكم فرجا، وحزنكم سكينة، وأن يحفظ أبناءكم ويشفي مرضاكم، وأن يرزقكم الطمأنينة والبركة في أعماركم وأعمالكم، والله الموفق.