السؤال
أنا إنسانة مؤمنة بالله ومسلمة بالفطرة، لم أكن ملتزمة بصلاتي من قبل، ولكنني مسلمة تصوم رمضان وتتوكل على الحي الذي لا يموت. منذ 6 سنوات أكرمني الله وأصبحت محافظة على صلاتي، ومتوكلة على الله سبحانه في كل الابتلاءات والمحن؛ لم أنس يوما أن الله معي وأنه لا يعطي إلا الخير، وأن أي شيء حدث وراءه خير، مما جعلني مطمئنة حتى في أصعب الأوقات.
تزوجت الرجل الذي أحببت منذ سنة ونصف، بعد عناء طويل، وبعد ليال طويلة من الدعاء والسهر والحزن، إلى أن عوضني الله به في أحسن الأحوال، ولكن واتتني ظروف أظن بعدها أنني ابتليت بالاكتئاب لشهور، ولم أقل شيئا لأحد، وظللت متوكلة على الله، أدعو وأستعين بالصبر والصلاة والقرآن، إلى أن من علي ربي وأحسست أنني شفيت بعد مدة.
بعد ذلك اكتشفت أنني حامل وبكيت من شدة الفرح، وشكرت ربي آلاف المرات، ولكنني أجهضت، ورغم ذلك صبرت وتوكلت على الله، وعلمت أنه ابتلاء، حملت بعد 3 شهور أخرى وفرحت، ثم أجهضت مرة أخرى وحزنت كثيرا، ولكنني صابرة لحكم الله.
بعد مرور بعض الوقت، قرأت عن شخص يشكك في الدين، فدخل كلامه كالصاعقة علي، ووجدت نفسي أتساءل، ولكنني والله كل يوم أستغفر ولم أستسلم لذلك، ولم أترك صلاتي وأذكاري يوما، لكنني كنت حزينة وأبكي خوفا من غضب الله.
بعد أيام تناسيت ذلك، إلى أن أجهضت مرة ثالثة (على ما أعتقد)، وهنا صرت في حالة يرثى لها؛ يومان لم أشعر بشيء، ثم لم أستطع التقبل، حتى أحسست كأنني أعترض على حكم الله، وكأن الله سيعاقبني على هذه الأفكار.
عدت إلى الأفكار السيئة، وكل يوم أشعر بالضيق والاختناق، رغم أنني أصلي وأقرأ الأذكار، وكأنني أتعذب كل يوم، وكأنني معترضة وغاضبة، وعندما أدرك ذلك أبكي، ولا أعرف ما العمل.
أنا في حيرة، وأريد العودة إلى ما كنت عليه؛ تلك الإنسانة المتفائلة المؤمنة، التي ترى الخير في كل شيء، قمت بالرقية الشرعية، وعندما أنتهي أشعر بالراحة لأيام، ثم أعود للأفكار السلبية، ولا يسعني إلا أن أفكر أنني سأتعذب، وأخاف أن أموت، وأخاف أن الله لن يبارك لي؛ لأنني أفكر هكذا.
أنا خائفة على نفسي وإيماني وديني، وأريد حلا لأنني لم أعد أحتمل هذه الأفكار.
شكرا جزيلا لكم، وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ياسمين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
قرأت استشارتك، ووجدت فيها إيمانا صادقا متألما، لا قلبا معترضا، وأول ما أطمئنك به هو أن ما تعيشينه ليس ضعف إيمان، ولا علامة غضب من الله، بل هو مزيج من حزن متراكم، وصدمة إجهاض متكرر، ووسواس ديني قهري.
وسوف أجيبك من ثلاثة جوانب: شرعي، ونفسي، وعملي تطبيقي.
أولا: من الناحية الشرعية، هل أنت معترضة على قدر الله؟
فأنت تقولين: "أحس كأنني معترضة"، و"أخاف أن الله سيعاقبني على هذه الأفكار"، و"أبكي خوفا من غضب الله"، وأنا هنا أذكرك بقول نبينا الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم، حين اشتكى له بعض الصحابة الكرام فقالوا: "إن أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به"، فقال عليه الصلاة والسلام: أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان. ومعنى ذلك: أن وجود الفكرة المزعجة مع كراهتها والخوف منها دليل إيمان، لا دليل كفر ولا اعتراض، فأنت لا تعترضين، بل أنت تخافين أن تكوني معترضة، والفرق كبير جدا، ومن رحمة الله بعباده أن لا يحاسب عباده على الخواطر القهرية، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم.
ثانيا: من الناحية النفسية، وما الذي حدث لك؟
لقد انتظرت الزواج زمنا طويلا، وحملت بعد دعاء طويل، وحصل لك إجهاض عدة مرات، وحصلت لك صدمة بسبب قراءة شبهات دينية، وأثر ذلك خوفا من العقوبة، وهذا يعد تسلسلا لضغوط شديدة جدا، فالذي حصل لك غالبا ما يكون:
1- حزن شديد لم يعالج، ولذلك فآثاره باقية، وكذلك الإجهاض المتكرر يترك ألما عميقا في نفس الأم، حتى لو كانت مؤمنة وصابرة، وهذا أمر طبيعي، وفيه رفعة للدرجات وتكفير للسيئات، كما قال عليه الصلاة والسلام: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه.
2- نوع اكتئاب برز بشكل ضيق واختناق، وبكاء، وفقدان الطمأنينة.
3- وسواس ديني قهري، يركز على الخوف من غضب الله وعقابه، وتضخمت الفكرة، فصرت تحسين بأنك "اعترضت على الله"، وتشعرين بالذنب الدائم، ولذلك فإنك تجدين راحة لأيام أثناء الرقية، ثم تعود تلك الأفكار مجددا، وهذا نمط وسواسي، لا نمط مس أو عقوبة.
ثالثا: تذكري هذه الحقيقة المهمة:
لو كان الله غاضبا عليك، فلن تهدي لأداء الصلاة بعد عدة سنوات، ولن يوفقك لشكره آلاف المرات، أو يجعلك تخافين على إيمانك، وبالتالي فلن يبقى قلبك معلقا بالله تعالى، ومن رحمة الله بالمؤمنين الشاكرين الخائفين من عقابه، والباكين المتذللين بين يديه، أنه لا يعذبهم، كما قال تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم}، والمعنى هنا: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكرين المؤمنين، وأن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وترك عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من ملكه.
رابعا: لماذا تشعرين وكأنك معترضة؟
لأن الحزن أحيانا يختلط بالغضب الداخلي الطبيعي، فالحزن الشديد قد يولد سؤالا داخليا مفاده: "لماذا أنا؟" وهذا ليس كفرا، حتى إن نبي الله يعقوب عليه السلام قال: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}، فالحزن لا يناقض الرضا إذا لم يصاحبه اعتراض لفظي أو كراهية لقضاء الله، أنت ما زلت تصلين وتستغفرين، إذن أنت في دائرة الإيمان، لا خارجها.
خامسا: لماذا تخافين من الموت فجأة؟
لأن الوسواس إذا دخل باب العقيدة ينتقل إلى الخوف من العذاب، والخوف من سوء الخاتمة، والخوف من فقدان البركة، وهذه كلها أفكار قهرية وليست قناعات حقيقية.
سادسا: ماذا تفعلين عمليا؟
- اجعلي استغفارك عبادة، لا خوفا مرضيا، ولا تربطيه بإطفاء الفكرة.
- إذا جاءتك فكرة "أنك معترضة"، فلا تناقشيها ولا تتحاوري معها، بل كرري في نفسك: "هذه فكرة وسواسية، ولن أناقشها"، ثم تجاهليها.
- انهضي مباشرة من المكان الذي أتتك فيه تلك الفكرة، ومارسي أي عمل مفيد يلهيك عنها، واستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، واقرئي: "قل أعوذ برب الناس"، لأن هذه الفكرة إذا ناقشتها قويت وتجذرت.
- استخدمي الرقية الشرعية كتحصين، ولا تربطي ذلك بالفكرة الوسواسية، بل اجعليها ضمن الأذكار.
- داومي على أذكار الصباح والمساء، واستمعي للقرآن الكريم، ففيه راحة وطمأنينة للنفس: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".
- كرري كثيرا دعاء الكرب، وهو: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم".
- نوصيك بكثرة الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك.
ننصحك بأن تزوري طبيبا نفسيا، والأفضل أن يكون استشاريا، فذلك من الأسباب الشرعية لمعالجة ما تمرين به، وهذا لا يتعارض مع توكلك على الله، وسواء كانت المعالجة لتلك الوساوس القهرية التي تحتاج إلى علاج دوائي وسلوكي، أو معالجة ما نتج عن الإجهاض المتكرر، فإنه يمكن أن يسبب اكتئابا لدى المرأة بسبب فقدان الحمل والآلام التي مرت بها.
نسأل الله لك الشفاء العاجل والتام، وأن يكتب لك الأجر والثواب، إنه سميع مجيب.