السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة مبدعة، وموهوبة، ومؤدبة، أحب نفسي، وأثق بها دون غرور، بالنسبة للمحيط الذي أعيش فيه أجد نفسي أذكى من أصدقائي بالقيم، ومبادئ الحياة، وهم يرون حدودي تضخيما للأمور، أو أنني نفسية، ومتكبرة، رغم أني لطيفة مع الجميع، وأحب مساعدة الجميع من كل قلبي فيما أستطيع.
سؤالي هو: أنا أشعر بأنني غير مقبولة في المجتمع؛ فأنا أعاني منذ سنوات من صعوبة تكوين صداقات حقيقية، والجميع يتجنبني بلا سبب واضح، ولا يعطونني فرصة لنتعارف، وإن فعلوا فمعظمهم يقرر الرحيل.
أصدقائي قليلون جدا، وأنتقيهم بعناية، ولا أستطيع مصادقة المنافقين أو المتكبرين، وقد حاولت التعرف إلى من يشبهني، لكني لم ألق تجاوبا، وأسمع دائما أن الله إذا أحب عبدا حبب خلقه فيه، وأنا أشعر أن الله يحبني، لكنني لا أجد هذا القبول بين الناس، مما يسبب لي حزنا ووحدة متزايدة.
سأنتقل قريبا إلى جامعة جديدة بعد أن غادرت جامعتي السابقة بلا أصدقاء، بهدف البدء بحياة مختلفة، لكنني أخشى أن يتكرر الرفض.
حتى على مواقع التواصل أنشأت حسابا وهميا، وكتبت فيه خواطر دينية، وأدبية عميقة وجريئة، ولا أقصد بجريئة أنها سيئة؛ بل أقصد أن معظم المجتمعات لا تتقبلها رغم أنها في الواقع صحيحة، ولكن لا أحد تفاعل معي، رغم أنه يظهر عندي أن هنالك الكثير ممن شاهدها، بينما أجد أشخاصا آخرين يقولون أشياء أجرأ مني، أو حتى تشبهني جدا، ومع ذلك يلقون بعض التفاعل.
أنا أعلم أنه لا يجب أن أقيس نفسي بالتفاعل، ولكني أقارن نفسي في كل مكان، لماذا في كل مكان أنا غير مقبولة؟
حياتي مليئة بالمصاعب، وألجأ إلى الله كثيرا، وقد مررت بفترات اكتئاب، وفقدان شغف، لكنني أحاول النهوض والاستعانة بالله، ومع ذلك يبقى الحزن، والوحدة مسيطران علي.
كنت أتمنى أن أكون مثل والدي -رحمه الله- الذي كان فصيحا، وعالما، وصاحب خبرة واسعة، وفي أي مكان كان يدخله يجعل كل من فيه يحبه، ويحترمه، ويقدره، لكنني لست بروعته، وبسبب وحدتي صرت مؤخرا أتلعثم في الكلام، وأجد صعوبة في التعبير عن أفكاري شفهيا، رغم أنني أكتب بمهارة، ولا أحد يسمعني، أو يفهمني في البيت، مما يزيد شعوري بالوحدة.
أنا حزينة جدا، وأريد حلا لهذه الأمور، فحتى وأنا مجهولة لست مقبولة ولا محبوبة، فما تفسير ذلك مع أنني أشعر بأن الله يحبني؟ والله إذا أحب عبدا حبب كل الخلق فيه!
ولكم جزيل الشكر.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رهف حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الفاضلة، المؤدبة، المبدعة- في موقعك، ونشكر لك الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يحببك إلى خلقه، وأن يحبب إليك الصالحين منهم؛ فإنه مكسب للإنسان أن يحب الصالحين، وأن يحب من يذكروه بالله تبارك وتعالى، والفتاة مطالبة بأن تحب الصالحات.
أما حب الخلق للإنسان فقد يأتي متأخرا، والمعيار عند الناس، يعني: من هم الناس الذين نرغب في أن يحبونا؟ فإن الإنسان أحيانا قد يكره لأنه مطيع لله تبارك وتعالى، والدليل قوله تعالى: ﴿أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾، فالعبرة ليست بكثرة من يحب الإنسان، ولكن بنوعية من يمكن أن يحب الإنسان.
وأنت كفتاة بلا شك بحاجة إلى مزيد من الوقت، وخاصة عندما تنتقلين لجامعة جديدة، أو بيئة جديدة، وليس من المصلحة أن تحبي الناس بسرعة ويحبوك بسرعة، ولكن ينبغي أن تحملي مشاعر نبيلة تجاه الناس، وأن تحبي كل الزميلات، ثم تقتربي أكثر من الصالحات المصلحات.
ولذلك الإنسان ينبغي أن يتحكم في خلطته مع الناس؛ فمن الناس من خلطتهم داء -عياذا بالله- ونبتعد منهم، ومن الناس من خلطتهم كالدواء، والإنسان يحتاج للدواء أحيانا إذا مرض، ومنهم من خلطته كالغذاء، فهو أساس يحتاج إليه، ولكن أيضا الغذاء بمقدار، ووجبات محددة، وأوقات محددة، ومن الناس من خلطتهم كالهواء، هؤلاء لا يستغني عنهم الإنسان؛ فكما يتنفس هو يحتاج إليهم.
وحتى تكوني هذه الصداقات، اجعلي كتاب الله جليسا؛ فهو جليس لا يمل، وصاحب لا يغش، وكما قال الإمام الشاطبي -رحمه الله- في: "حرز الأماني ووجه التهاني":
وإن كتاب الله أوثق شافع ... وأغنى غناء واهبا متفضلا
وخير جليس لا يمل حديثه ... وترداده يزداد فيه تجملا
ولا تستعجلي الدخول في الناس، ولكن من المهم أن يكون تعاملك مع الناس رائعا، ولا تحاولي أيضا أن تتحملي أخطاءهم، وأن تكوني لطيفة معهم، وأن تؤازريهم في أيام هبوطهم وأحزانهم؛ لأن الإنسان عندما يريد أن يكسب الصداقات قد يحتاج إلى أن يقدر مشاعر الآخرين، وأن يعفو عنهم، وأن يسامحهم، وأن يعاملهم كما يحب أن يعاملوه، بل أعلى من ذلك أن يحبهم كما يحب في الله تبارك وتعالى، أعلى من ذلك أن نعاملهم كما نحب أن يعاملنا الله، "من يسر على معسر يسر الله عليه، ومن ستر مسلما ستره الله، ومن كان في عون أخيه كان الله في حاجته وعونه".
إذا نحن دائما لكي يقبل بنا الناس لا بد أن نقدم للناس، ونكف أذانا عنهم، ونحترمهم، ونقدرهم، ونراعي مشاعرهم، هذه وسائل أساسية تجعل من حولك من الزميلات يقتربن منك، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينك على الخير.
وليس هناك داع للحزن إذا ابتعد الناس؛ لأن الناس أحيانا قربهم أيضا مزعج، ولذلك الإنسان ينبغي أن يحافظ على الشعرة التي بينه وبين الناس، وكما قلنا: أحبي جميع الزميلات، تمني لهن الخير، وزيدي من محبة والقرب من الصالحات المصلحات، وهذا يحتاج منك إلى بعض الوقت حتى تتعرفي على خصائص من حولك، ونسأل الله أن يعينك على الخير.
أما بالنسبة للصداقات في هذا الفضاء المفتوح، فربما الطرح الذي تقومين به -والواضح أنك كما أشرت جادة وحازمة وكذا- هذا أيضا له علاقة، ونحن نريد أن يكون الحزم فعلا في مكانه الصحيح، أن تكون الشدة في موقعها الصحيح.
ولا تقارني نفسك بالآخرين، ونحن حقيقة كنا نتمنى أن نعرف نوعية الموضوعات التي قمت بطرحها؛ حتى نستطيع أن نقيم إقبال الناس من عدم إقبالهم، وعلى كل حال: اجعلي همك إرضاء الله؛ فإذا رضي الله عن الإنسان تكون العواقب له، وإذا أقبل الإنسان بقلبه على الله أقبل الله بقلوب الخلق إليه، فاجعلي همك إرضاء الله تبارك وتعالى؛ لأن الإنسان السعيد هو الذي يطلب رضا الله، فإذا رضي الله عن إنسان أرضى عنه الناس، والإنسان الغافل هو الذي يطلب رضا الناس وإن سخط الله، هذا يسخط عليه الله ويوشك أن يسخط عليه الناس، يعامله بنقيض قصده.
أكرر: اجعلي همك أن يكون الله راضيا عنك، وتقربي إلى الله بصنوف العبادات، أكثري من ذكره وتلاوة كتابه، وأعتقد أن شهر الصيام فرصة كبيرة للإقبال على الله تبارك وتعالى، ثم بعد رمضان نثبت على ما تدربنا عليه من الخير، نسأل الله أن يحببك إلى خلقه، وأن يحبب إليك الصالحين والصالحات منهم، وأن يعينك على الخير.
والله الموفق.