السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عمري 21 سنة، ومنذ صغري وأنا أعاني من مشاكل كثيرة في أسناني؛ ففي كل مرة كانت تسوس أسناني رغم مواظبتي على غسلها، ولكني عندما كنت طفلة لم أكن أعرف كيفية الاهتمام بها كما أفعل الآن، وللأسف، اضطررت لعمل حشوة عصب لثلاثة من أضراسي منذ أن كان عمري 13 سنة، بالإضافة إلى أربع حشوات عادية، في كل مرة كان يصاب ضرس كنت أعالجه، وحاليا ظهر لي خراج تحت أحد هذه الأضراس، وأنا أعالجه الآن، ثم ظهر لي خراج آخر!
أشعر بالحزن على أسناني، فأنا ألوم نفسي وأقول: (هذا بسبب إهمالك)، مع أني والله أحاول قدر استطاعتي أن أهتم بها، وأنا دائمة التردد على عيادات الأسنان، ولم أكن أعرف أن أسناني ضعيفة لهذه الدرجة! أنا حزينة جدا على أسناني، وخائفة من فقدانها في سن مبكرة، وأقول لنفسي: (إذا كان عمري 21 سنة وأسناني تعاني كل هذه المشاكل، فماذا سيكون حالي عندما أبلغ الخمسين!) لا أعرف كيف أهدئ من روعي أبدا، وكيف أوقف جلدي لذاتي ولومها، حتى أصبح أكثر هدوءا ورضا وأقل حزنا، ولأعيش حياتي دون تفكير دائم في مشاكل أسناني؟
حاليا أحاول التقرب من الله، وأدعوه أن تشفى أسناني وأصبح أفضل، لكني ألوم نفسي طوال الوقت، وأشعر أني الوحيدة التي تعاني من هذه المشكلة في هذا العمر، وأنه ليس هناك من يعاني ما أعانيه! وأقول: (هذا بالتأكيد بسبب إهمالك)، وأظل ألوم نفسي على كون التسوس بدأ منذ الصغر، وأن لا أحد تشبه مشاكل أسنانه مشاكلي، وأن كل هذا بسببي!
كيف أوقف التفكير بهذه الطريقة؟ وكيف أحسن من نفسيتي؟ لأني دائمة التفكير في هذا الموضوع طوال الوقت، حتى إنني لم أعد أستطيع المذاكرة أو الخروج من البيت!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هبة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك لتواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعانين من مشاكل متكررة في أسنانك منذ الصغر، وأن هذا الأمر أصبح يؤثر على نفسيتك بشكل كبير، ويجعلك تلومين نفسك باستمرار، وتشعرين بالحزن والخوف من المستقبل، حتى أصبح هذا التفكير يعيقك عن ممارسة حياتك الطبيعية من مذاكرة وخروج من المنزل.
أولا: أود أن أحييك على اهتمامك بصحة أسنانك، ومتابعتك المستمرة مع أطباء الأسنان، فهذا يدل على مسؤوليتك وحرصك على العلاج، ولا يدل أبدا على الإهمال كما تظنين، فكثير من الناس لديهم مشاكل في أسنانهم، بسبب عوامل وراثية، أو طبيعة تكوين الأسنان، أو حتى نوعية الطعام والماء في المنطقة التي يعيشون فيها، وليس بالضرورة بسبب الإهمال.
ثانيا: إن ما تمرين به من قلق وحزن شديد وتفكير مستمر في هذا الموضوع، حتى أصبح يعيق حياتك اليومية، هذا يحتاج إلى نظرة أعمق؛ لأن المشكلة هنا ليست فقط في الأسنان، بل في طريقة تعاملك النفسي مع هذا الابتلاء، فالقلق المفرط والتفكير الدائم في الأمر، والخوف من المستقبل، وجلد الذات المستمر، هذه كلها علامات على أن هناك حاجة لمساعدة نفسية متخصصة، لتعلم كيفية إدارة هذا القلق، والتعامل معه بشكل صحي.
يقول الله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ۚ إن ذٰلك على الله يسير * لكيلا تأسوا علىٰ ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم}، فكل ما يصيبنا في هذه الدنيا هو بقضاء الله وقدره، وليس كل مصيبة تحدث بسبب خطأ منا.
ثالثا: دعيني أوضح لك بعض الأمور المهمة:
الأول: أنت لست مسؤولة عما حدث لأسنانك وأنت طفلة صغيرة، فالطفلة في عمر الثالثة عشرة أو أقل، لا تملك الوعي الكامل، ولا القدرة على اتخاذ قرارات صحية صائبة بمفردها، وهذه مسؤولية الأهل في المقام الأول، ولومك لنفسك على شيء حدث وأنت طفلة، هو ظلم كبير لنفسك، ولا يجوز شرعا ولا عقلا.
الثاني: ضعف الأسنان والتسوس المتكرر له أسباب كثيرة غير الإهمال، منها العوامل الوراثية والجينية، وطبيعة اللعاب في الفم، ونوعية الماء، والنظام الغذائي، وحتى بعض الأدوية التي قد تكونين تناولتها في الصغر، فليس كل من لديه مشاكل في أسنانه يكون مهملا.
الثالث: أنت الآن تبذلين ما في وسعك من عناية واهتمام ومتابعة طبية، وهذا هو المطلوب منك، أما ما حدث في الماضي فقد انتهى ولا يمكن تغييره، ولومك لنفسك عليه لن يفيد، بل سيزيد من معاناتك النفسية فقط.
رابعا: لاحظي معي أن تفكيرك أصبح محصورا في هذا الموضوع بشكل غير طبيعي، حتى قلت: إنك لا تستطيعين المذاكرة ولا الخروج من المنزل بسبب هذا التفكير، هذا يسمى في علم النفس (القلق الوسواسي) أو (الأفكار الاجترارية) وهو نمط تفكير غير صحي، يحتاج إلى علاج نفسي سلوكي، فالتفكير المستمر في المشكلة دون حل، لن يساعدك، بل سيزيد من قلقك وحزنك.
خامسا: من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله-:
أولا: التقرب إلى الله بالدعاء والتوكل عليه، واعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ادعي الله أن يشفيك ويعافيك ويرزقك الصبر والرضا، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له".
ثانيا: توقفي عن جلد ذاتك ولوم نفسك، كلما جاءتك فكرة اللوم، قولي لنفسك: هذا قضاء الله وقدره، وأنا الآن أبذل ما في وسعي، وهذا يكفي، تذكري أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأنت تبذلين وسعك في العناية بأسنانك الآن.
ثالثا: غيري طريقة تفكيرك، بدلا من أن تفكري طوال الوقت في المشكلة، فكري في الحلول والخطوات العملية، مثلا: ما هو أفضل طبيب أسنان يمكنك المتابعة معه؟ ما هي أفضل طرق العناية اليومية بالأسنان؟ هل يمكنك استخدام معجون أسنان أو غسول خاص للأسنان الحساسة؟ هذا النوع من التفكير البناء أفضل بكثير من التفكير السلبي في المشكلة فقط.
رابعا: توقفي عن مقارنة نفسك بالآخرين، كل إنسان له ابتلاءاته الخاصة، فربما الناس الذين ترين أن أسنانهم سليمة لديهم مشاكل صحية أخرى، أو ابتلاءات نفسية أو اجتماعية لا تعلمين عنها، والله يبتلي كل إنسان بما يناسبه.
خامسا: مارسي تقنيات تساعدك على تهدئة القلق، كالذكر، وقراءة القرآن، والرياضة، والمشي في الطبيعة، وممارسة هوايات تحبينها، كل هذه الأمور تساعد على تقليل القلق وتحسين المزاج.
سادسا: وهذا مهم جدا، أنصحك بشدة أن تراجعي أخصائيا نفسيا، للمساعدة في التعامل مع هذا القلق المفرط والأفكار السلبية المتكررة، فالعلاج النفسي السلوكي المعرفي فعال جدا في مثل هذه الحالات، ويساعدك على تعلم طرق صحية للتفكير والتعامل مع القلق، وطلب المساعدة النفسية ليس عيبا، بل هو علامة على الحكمة والرغبة في التحسن.
سابعا: حددي وقتا معينا في اليوم للتفكير في هذا الموضوع، مثلا عشر دقائق فقط، وإذا جاءتك الأفكار في أوقات أخرى، قولي لنفسك: سوف أفكر في هذا الموضوع في الوقت المخصص له، هذه تقنية نفسية تساعد على السيطرة على الأفكار الوسواسية.
ثامنا: اكتبي في ورقة كل الأشياء الجميلة في حياتك، وكل النعم التي أنعم الله بها عليك، واقرئي هذه القائمة كلما شعرت بالحزن، هذا يساعدك على توازن نظرتك للحياة، وعدم التركيز فقط على المشكلة.
تاسعا: ثقي أن الطب الحديث متقدم جدا في مجال طب الأسنان، وهناك حلول كثيرة متاحة حتى لو احتجت في المستقبل إلى تركيبات أو زراعة أسنان، فلا داعي للخوف المفرط من المستقبل، بل توكلي على الله واستمري في العناية بأسنانك.
عاشرا: تذكري أن جمال الإنسان الحقيقي هو جمال الروح والأخلاق، وليس فقط المظهر الخارجي، وأن الله ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، وليس إلى صورنا وأجسامنا.
سادسا: لفت انتباهي قولك في نهاية رسالتك أنك حاليا تحاولين التقرب من الله والدعاء، وهذا أمر جميل جدا، ونسأل الله أن يتقبل منك، لكن اعلمي أن القرب من الله لا يعني فقط الدعاء بزوال المشكلة، بل يعني أيضا الرضا بقضاء الله، والصبر على البلاء، والثقة بحكمته سبحانه، فربما هذا الابتلاء هو طريقك للتقرب من الله وتعلم الصبر والتوكل، وهذا خير عظيم.
أختي الكريمة: اعلمي أن كل إنسان في هذه الدنيا مبتلى بشيء ما، ولكن المؤمن الحق هو من يصبر ويحتسب، ويبذل ما في وسعه، ثم يرضى بما قسم الله له، وأنت الآن تبذلين ما في وسعك من عناية بأسنانك، فهذا يكفي، والباقي على الله.
نسأل الله أن يشفيك ويعافيك، وأن يرزقك الصبر والرضا والطمأنينة، وأن يزيل عنك الهم والحزن، وأن يفرج كربك ويسهل أمرك، وأن يجعل هذا الابتلاء تكفيرا لذنوبك ورفعة في درجاتك.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.