كيف أحفظ حفظاً سريعاً وجيداً مثل البخاري والشافعي؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالب في الجامعة، في السنة الثانية، أود أن أعرف كيف أحفظ الدرس؟ لأن بعض المقررات الدراسية مبنية على الحفظ، والصفحات كثيرة.

كما أريد أن أحفظ حفظا سريعا وجيدا، مثل: البخاري، والشافعي، والزهري، والذهبي؛ لأنه تعجبني طريقة حفظهم، وأود أن أكون مثلهم، أسأل الله هذا.

وهل النوم يؤثر على الحفظ؟ مع العلم أني أجاهد نفسي للنوم ست ساعات؛ لأن كثيرا من يومي يضيع، فأحاول تقليل ساعات النوم، وإن كان لذلك تأثير، فكيف أنام نوما جيدا كي أحفظ بسرعة؟ وكيف أتخلص من الكسل الذي يأتي عندما أحفظ الدرس؟

وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تطمح لتحسين قدرتك على الحفظ، وهذا طموح نبيل يدل على همة عالية، وأن تتخذ من العلماء الأفذاذ: كالبخاري، والشافعي، والزهري، والذهبي قدوة لك في هذا المجال، وهذا بحد ذاته نعمة عظيمة، فالله الله على هذا الطموح الجميل.

أولا: اعلم -أخي الكريم- أن الحفظ نعمة من نعم الله العظيمة، وقد أمرنا الله تعالى بطلب العلم، فقال سبحانه: ﴿وقل رب زدۡنی علۡمࣰا﴾، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو: "اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا"، فابدأ أخي بالدعاء والتضرع إلى الله أن يرزقك حفظا قويا، وفهما سريعا، فإن الله هو الذي يفتح مغاليق القلوب، ويشرح الصدور.

وكان الإمام الشافعي -رحمه الله- يقول:
"شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي.
وهذا يدلنا على أن من أعظم ما يعين على الحفظ هو تقوى الله، والبعد عن المعاصي، فاحرص -أخي- على المحافظة على الصلوات في أوقاتها، وأكثر من الاستغفار، وذكر الله، واجتنب ما يغضب الله.

ثانيا: لا بد أن نذكرك بحقيقة علمية مهمة جدا، وهي أن النوم ليس مضيعة للوقت كما قد يظن البعض، بل هو من أعظم ما يعين على الحفظ الجيد، والتحصيل العلمي المتميز؛ فالدراسات العلمية أثبتت أن الدماغ أثناء النوم يقوم بتثبيت المعلومات، ونقلها من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى، وأن قلة النوم تضعف التركيز، وتقلل القدرة على الاستيعاب والحفظ بشكل كبير.

ست ساعات من النوم قد لا تكون كافية للكثير من الشباب في مرحلتك العمرية؛ فالجسم في هذه المرحلة يحتاج عادة إلى سبع أو ثماني ساعات من النوم الجيد، وحرمان نفسك من النوم الكافي قد يأتي بنتيجة عكسية تماما؛ فتجد نفسك تدرس ساعات أطول، ولكن بكفاءة أقل، وحفظ أضعف.

يقول الله تعالى: ﴿وجعلۡنا ٱلیۡل لباسࣰا﴾، فالليل خلقه الله للراحة والسكون، ومن حكمته سبحانه أن جعل الليل وقتا للنوم؛ لأن الجسم والعقل يحتاجان إلى الراحة لاستعادة نشاطهما، فنصيحتنا لك -أخي الكريم- أن تعيد النظر في هذه المسألة، وأن تحرص على النوم من سبع إلى ثماني ساعات يوميا، وستجد -بإذن الله- أن قدرتك على الحفظ والتركيز تتحسن بشكل ملحوظ.

ولكي تنام نوما جيدا ومريحا، احرص على هذه الأمور:

أولا: نم مبكرا، واستيقظ مبكرا، فقد بارك الله لأمة محمد في بكورها، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "بورك لأمتي في بكورها"، فإذا نمت بعد صلاة العشاء، أو قبل منتصف الليل بقليل، واستيقظت قبل الفجر أو مع الفجر، فإنك ستنال بركة الوقت، وستجد نفسك أكثر نشاطا وقدرة على الحفظ.

ثانيا: اقرأ أذكار النوم كاملة؛ فإنها سبب لطمأنينة القلب، وراحة البال، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقرأ آية الكرسي قبل النوم، والمعوذات، وغيرها من الأذكار.

ثالثا: ابتعد عن شاشات الهاتف والحاسوب قبل النوم بساعة على الأقل؛ فإن الضوء الأزرق المنبعث منها يؤثر على هرمون النوم في الجسم، ويجعل النوم أقل جودة.

رابعا: اجعل غرفة نومك مظلمة، وهادئة، ومعتدلة الحرارة؛ فهذا يساعد على النوم العميق المريح.

ثالثا: إن العلماء الذين ذكرتهم كانوا يتمتعون بحفظ قوي لأسباب عديدة، منها: ما هو موهبة من الله، ومنها ما هو نتيجة لجهد، وممارسة، واتباع أساليب صحيحة، ومن أهم ما يعينك على الحفظ الجيد:

الأمر الأول: هو الفهم قبل الحفظ، فلا تحاول أن تحفظ ما لا تفهمه، بل افهم المادة جيدا أولا؛ فإن الفهم يسهل الحفظ ويثبته، أما الحفظ الأعمى من غير فهم فسرعان ما يتبخر وينسى.

الأمر الثاني: هو التكرار المنظم؛ فاحفظ قليلا، ثم راجعه عدة مرات متباعدة؛ فالتكرار يثبت المعلومة في الذاكرة طويلة المدى، وقد قيل:

العلم صيد والكتابة قيده *** قيد صيودك بالحبال الواثقة
فمن الحماقة أن تصيد غزالة *** وتتركها بين الخلائق طالقة

الأمر الثالث: هو الربط والتصنيف؛ فحاول أن تربط المعلومات الجديدة بما تعرفه مسبقا، وصنف المعلومات في مجموعات منطقية؛ فهذا يسهل استرجاعها لاحقا.

الأمر الرابع: هو الكتابة باليد، فاكتب ما تريد حفظه بخط يدك؛ فإن الكتابة تساعد على التركيز، وتثبت المعلومة في الذهن أكثر من مجرد القراءة.

الأمر الخامس: هو التلخيص، والشرح؛ فبعد أن تحفظ درسا حاول أن تلخصه بكلماتك الخاصة، أو أن تشرحه لشخص آخر، أو حتى لنفسك بصوت عال؛ فهذا يكشف لك مواطن الضعف في حفظك، ويثبت المعلومة.

الأمر السادس: هو اختيار الوقت المناسب؛ فأفضل الأوقات للحفظ هي ما بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس، وما بين المغرب والعشاء؛ فهذه أوقات مباركة يكون فيها الذهن صافيا، والتركيز عاليا.

الأمر السابع: هو تقسيم المادة إلى أجزاء صغيرة، فلا تحاول أن تحفظ كل شيء دفعة واحدة، بل قسم المادة إلى وحدات صغيرة يسهل استيعابها، واحفظ كل يوم قدرا معينا منها.

الأمر الثامن: هو المراجعة الدورية المنتظمة؛ بأن تضع جدولا للمراجعة، ثم راجع ما حفظته بعد ساعة، ثم بعد يوم، ثم بعد أسبوع، ثم بعد شهر؛ فهذا يثبت المعلومة بشكل دائم.

رابعا: أما الكسل الذي تشعر به أثناء الحفظ، فله أسباب عديدة يمكن أن ننظر إليها كالتالي:

السبب الأول: قد يكون نقص النوم كما ذكرنا، فإذا كان جسمك متعبا، وذهنك مرهقا، فمن الطبيعي أن تشعر بالكسل والخمول، فاحرص على النوم الكافي كما أوصيناك.

السبب الثاني: قد يكون نقص التغذية السليمة، فاحرص على تناول وجبة إفطار صحية قبل البدء بالدراسة، وتناول الأطعمة المفيدة للدماغ: كالمكسرات، والأسماك، والفواكه، واشرب كمية كافية من الماء.

السبب الثالث: قد يكون عدم وجود هدف واضح، أو دافع قوي، فاربط دراستك بهدف نبيل، كأن تنوي أن تكون عالما نافعا لأمتك، أو أن تستخدم علمك في خدمة دينك ومجتمعك؛ فإن النية الصالحة تجعل العبادة من الدراسة، وتعطيك دافعا قويصا للاستمرار.

السبب الرابع: قد تكون الدراسة لفترات طويلة دون راحة، فاحرص على أخذ استراحة قصيرة كل نصف ساعة، أو ساعة، قم فيها بالحركة، والمشي قليلا، أو الوضوء والصلاة؛ فهذا ينشط الجسم والذهن.

السبب الخامس: قد تكون الدراسة في مكان غير مناسب، فاحرص على الدراسة في مكان هادئ، ومرتب، ومضاء جيدا، وبعيدا عن المشتتات كالهاتف والتلفاز.

ومن الأمور التي ستعينك -بإذن الله- على طرد الكسل هي المحافظة على الأذكار والأدعية؛ فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ من الهم والحزن، والعجز والكسل، فاحرص على هذا الدعاء صباحا ومساء.

أخيرا: اعلم أن العلماء الذين ذكرتهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه في يوم وليلة، بل كان ذلك نتيجة صبر، وجهد، ومثابرة على مدى سنوات طويلة، فلا تستعجل النتائج، ولا تيأس إذا لم تر تحسنا سريعا، بل اصبر، واستمر، وتوكل على الله، فإن الله مع الصابرين.
ويقول الشاعر:
وكل باب وإن طالت مغالقه *** يوما له من جميل الصبر مفتاح

وتذكر أن طلب العلم عبادة عظيمة، وأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، فاحتسب الأجر عند الله، واجعل نيتك خالصة لوجهه الكريم.

نسأل الله أن يرزقك حفظا قويا، وفهما سريعا، وأن يبارك لك في وقتك وعلمك، وأن يجعلك من العلماء العاملين النافعين لأمتهم، وأن ييسر أمرك، ويشرح صدرك، ويهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات