السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كان لي محل افتتحته قبل نحو سنة ونصف، وبعد أن نجح، اتهمني أحد أفراد عائلتي ظلما بقضية شروع في القتل، وكدت أسجن، وقد أخذ مني ذلك المحل مقابل ألا أسجن، إذ استغلوا معرفتهم بأشخاص ذوي سلطة في زمن النظام السابق، وكنت من الملتزمين بالصلاة وأؤدي الفروض كلها في المسجد، لكن منذ تلك الحادثة لم أستطع، مهما حاولت، أن أعود كما كنت.
حتى إنني أقدمت على محاولة الانتحار أكثر من مرة، وكانت آخر محاولة البارحة، خصوصا مع شعوري بالعجز عن إيجاد عمل، واضطرارهم إلى الإنفاق على المنزل، مع أنني أبذل جهدي في البحث عن عمل.
لي خبرة في البرمجة، وأحاول أن أجد فرصة فيها، لكنني لا أوفق، وقد عملت مع أحد أصدقائي فلم يعطني أجري، وكلما سعيت أغلق الطريق أمامي.
توفي أبي قبل سنوات، ومنذ ذلك الحين بدأت المشاكل بيني وبينهم، حتى حاولوا إقناعي بأنني مريض بالفصام، غير أن أصدقائي لم يلحظوا علي شيئا، ومنذ أن واجهتهم بهذا الأمر لم يعودوا يكررونه، وقد كدت أقتنع بكلامهم.
فما هي نصيحتكم؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ يمان حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول، ومن الله أستمد العون:
قرأت استشارتك كلمة كلمة، وشعرت بمعاناتك، فأسأل الله تعالى أن يجعل لنا ولك من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، وأن يرزقك من حيث لا تحتسب، إنه سميع مجيب.
اعلم أن الأرزاق بيد الله تعالى، يقسمها بين عباده كما يشاء سبحانه، وفق حكمته، قال الحكيم الخبير: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون}.
قد يبتلى العبد بعدة بلايا، ومنها الظلم، ليرفع الله درجاته، وليسمع مناجاته، وليعلم مدى صبره ورضاه بما قدره الله له، غير أن الله تعالى يفرج بعد ذلك عن أوليائه، وينصرهم، ويخذل أعداءهم ويذلهم، وهذه سنة الله تعالى، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.
المال يذهب ويأتي، والعافية أعظم نعمة، والعبد الصابر هو الذي كلما اشتد به البلاء، كلما اقترب من ربه، وناجاه ودعاه، وتقرب إليه بكثرة العبادات، لا العكس، ولنا في أيوب عليه السلام أسوة وقدوة، فقد ابتلي بلاء شديدا في جسده، فما كان منه إلا أن قال: {رب أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين}، قال الرؤوف الرحيم: {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا}.
إنني قلق عليك جدا بسبب عبارة قلتها في استشارتك، وهي: "حاولت الانتحار أكثر من مرة، وآخر مرة البارحة"، فهذه المسألة ليست عابرة، بل هي في غاية الخطورة، فحياتك غالية، وليس الانتحار حلا لمعاناتك، بل إن ذلك انتقال من بلاء يمكن تحمله، إلى عذاب أعظم لا يتحمله إنسان، فالانتحار محرم، وعقوبته الأخروية أن المنتحر يعذب بالطريقة التي قتل نفسه بها، كما ورد في الحديث: من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، وفي الحديث الآخر: كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة.
عليك أن تكون موقنا أن الظلم عاقبته وخيمة على صاحبه، فعقوبة الظلم معجلة في الدنيا، والله تعالى قد يمهل للظالم، فإن لم يرجع أخذه أخذ عزيز مقتدر، قال ربنا سبحانه: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون}.
واجب عليك أن تصبر، وإن كنت تشعر بالألم في قلبك جراء الاتهام وأخذ مالك، فالمؤمن يتقلب في هذه الحياة بين منزلتي الصبر والشكر، كما قال عليه الصلاة والسلام ﷺ: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.
أنت تعاني من صدمة نفسية بسبب ما تعرضت له من اتهام بالشروع بالقتل، وأخذ محلك التجاري، وتهديدك بالسجن، واتهامك بانفصام الشخصية، وهذا يؤثر على نفسك دون شك، ويسبب لك صدمة كبيرة، وخاصة إن كان كل ذلك صادرا من الأقارب، وكما قال الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة … على المرء من وقع الحسام المهند
واضح من خلال استشارتك أنك وبسبب ما حدث لك تعاني من اكتئاب، وأعراض ذلك بينة، منها فقدان القدرة على الصلاة رغم رغبتك في أدائها، وفقدان الأمل، والشعور بانسداد السبل أمامك، والإحساس بالعجز، والتفكير المتكرر بالانتحار.
محاولة إقناعك بأنك "مريض بالفصام" من قبل العائلة سبب لك ضغطا نفسيا، وأضعف موقفك، ولا شك أنك لا تعاني من الفصام، بدليل أن أصدقاءك لم يلاحظوا عليك أعراضا تدل على ذلك، وأنت واع لما يحدث حولك، وتعرض الأحداث بترابط منطقي، فالفصام لا يشخص هكذا، ولا يستخدم كسلاح في الخلافات.
تركك للصلاة يدل على ما تعانيه من الاكتئاب، وذلك أن الاكتئاب يسرق الطاقة، ويسرق الدافع للعمل، ويسرق الشعور بمعنى الأعمال، ومنها العبادات، فكثير ممن كانوا صالحين إذا مروا باكتئاب يفقدون القدرة على الطاعات مؤقتا، لا كفرا ولا اعتراضا، بل إنهاكا.
احذر من وساوس الشيطان الرجيم، الذي سيحاول إقناعك بأن عدم قدرتك على فعل الصلاة علامة على غضب الله عليك، وأنه لا يتقبل منك.
من الأفكار البالغة الخطورة عندك ترديدك لمقولة: "هم ظلموني"، "أنا انتهيت"، "لا يوجد مخرج"، فمثل هذه الكلمات تعزز الاكتئاب وتعمقه، فلا تتفوه بهذه الكلمات، بل تلفظ بالأقوال التي تعزز نفسك من أجل الخروج مما أنت فيه، كأن تقول: "هذا ابتلاء يختبرني به ربي، وسوف أخرج منه بإذن الله"، "غيري ابتلي بأشد مما ابتليت به، ومع هذا صبروا ولم يتركوا عبادة الله سبحانه".
دونك بعض الخطوات العملية المهمة للخروج من معاناتك:
أولا: خطوة عاجلة وضرورية، وهي مراجعة طبيب نفساني، وأنصح أن يكون مستشارا، فمحاولة الانتحار المتكررة تحتاج إلى تقييم طبي، وقد تحتاج إلى تناول دواء لفترة، فالذهاب إلى الطبيب والتحدث معه بشفافية تامة يعد شجاعة وليس ضعفا، ومن استعمال الأسباب التي لا تنافي التوكل على الله، وهذه الخطوة من أهم الخطوات للخروج من معاناتك، يلي ذلك استعمال العلاج كما وصف الطبيب، من غير نقصان أو زيادة.
ثانيا: مارس حياتك بشكل طبيعي كما كنت من قبل، ولا تبق وحيدا، ولا تنعزل عن أسرتك ومجتمعك، ولا تبال بمن حولك أو بما يقولونه، فالعزلة فيها خطورة عليك في هذه المرحلة من حياتك، والحمد لله أن عندك أصدقاء كما ذكرت.
ثالثا: ذكرت فيما يخص عملك أنك تتقن مهارة البرمجة، والعمل في هذا المجال لا يعتمد فقط على الوظائف المحلية، فيمكنك العمل الحر عبر الإنترنت، فابدأ بعرض أعمالك وخدماتك، وتحرك ولو بشيء من البطء، فذلك مهم لكسر الشعور بالعجز.
رابعا: كن متفائلا، وثق بأن الله سينصرك، وظن بربك خيرا، ففي الحديث: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء، فإن ظن بي خيرا فله، وإن ظن بي شرا فله.
خامسا: اجتهد وجاهد نفسك في إقامة الصلاة، ولو أن تؤديها ابتداء في البيت، ثم بعد فترة تبدأ بأداء فرض واحد في المسجد، وكلما مرت فترة أضفت فرضا آخر، حتى تعود المياه إلى مجراها الطبيعي.
سادسا: أيقن أنك لم تهزم لأنهم أخذوا محلك التجاري، بل أنت تهزم نفسك إن صدقت أن حياتك انتهت، فكم من تاجر فقد تجارته ثم عاد فصار أكثر ثراء وشهرة.
سابعا: ليس الوقت مناسبا لمواجهة عائلتك، بل ابدأ بتثبيت نفسك من الناحية النفسية، واستعد توازنك، ونوع مصادر رزقك، ثم لكل حادثة حديث.
ثامنا: أكثر من دعاء الكرب بقلب حاضر خاشع، وهو: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم.
تاسعا: الزم الاستغفار، وأكثر من الصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك.
عاشرا: ردد دعوة ذي النون، ففي الحديث الصحيح: دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجاب له.
الحادي عشر: استمع للقرآن الكريم بصوت قارئ محبوب لديك، ففي القرآن طمأنينة للنفس، كما قال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.
الثاني عشر: حافظ على أذكار اليوم والليلة، واقرأها من كتيب حصن المسلم للقحطاني، والذي يمكن تنزيله من الإنترنت، ويمكن عبر تنزيل تطبيق أذكار المسلم في هاتفك.
وللفائدة راجع هذه الروابط: (2396489 - 2235846 - 2136740 - 2364663 - 2294112).
أسأل الله تعالى أن يشفيك شفاء لا يغادر سقما، وأن ينصرك، ويعيدك أقوى مما كنت سابقا، وأن يهدي من ظلمك، ويبصره بعيبه، ويأتي به إليك معتذرا، معيدا لحقوقك، إن ربي سميع مجيب.