السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع المعاكسات نفسيا -أي بيني وبين نفسي لكي لا أتأثر بها-؟ أنا ملتزمة بالزي الشرعي، ولا أغطي وجهي لصعوبة ذلك في عائلتي وتخصصي، ولأنني ما زلت ضعيفة دينيا، ولأنني بالكاد متمسكة بالحجاب الشرعي.
ابتلاني الله بجمال أعلى من المتوسط، ومعظمه في عيني، وأستصعب الحجاب أحيانا بسبب ما وهبني الله من حسن الخلقة. جربت تغطية وجهي بالكمامة فزاد الأمر سوءا؛ إذ صار التركيز على عيني، فكرت بارتداء نظارة شمسية في الشارع لكن لا ألتزم بذلك استثقالا.
معظم المعاكسات أو التعليقات المقرفة تكون من دكتور لا يخاف الله، سائقين في الشارع، أو مرضى أتعامل معهم، وقد تكون برمي كلمة سريعة، أو إشارة، أو مجرد التحديق بنظرة مقرفة، كل البنات يتعرضن لذلك، لكنني حساسة ولا أستطيع تجنب الموقف أو تخطيه؛ لأنه شعور متضارب بين الإحساس بالتقدير لأنني جميلة -خاصة أنني أعاني من مشاكل في تقدير الذات-، وشعوري بالدونية؛ لأنني محط نظر وشهوة، فتارة أبكي على ما أتعرض له، وتارة أخرى أشعر بالقيمة، ولو كان المتحرش شخصا ساقطا.
ويحزنني أنني عندما أبحث عن نصائح للتعامل مع المعاكسات، يبدأ الحديث بضرورة الالتزام بالزي الشرعي؛ أعلم أن هذا يقيني من المعاكسات، لكنني ملتزمة بالفعل، أرتدي جلبابا طويلا، ولا أتحدث بصوت عال في الشارع، والمعاكسات تأتيني وحدها، فلماذا أتعرض للمعاكسات؟ ولم أشعر بالسوء تجاه نفسي؟ ولم نضع حمل السلوك الخاطئ على من تعرض له لا من فعله ابتداء؟ وكيف أقاوم رغبتي في الحصول على التقدير لجمالي؟ خاصة أن احتمالية زواجي ضئيلة قبل سن 25، وأنه ليس هناك أحد يثني علي في بيتي بالقدر الذي أحب.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هاجر حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
تساؤلاتك تعكس حرصا صادقا على فهم المشكلة ومعالجتها، وهذا دليل وعي ونضج، سأحاول الإجابة عن تساؤلاتك على شكل محاور حسب السؤال، مع بعض النصائح في هذا الموضوع، سائلا الله أن ينفعك بها:
أولا: لماذا ما زلت تتعرضين للمعاكسات؟
أختي الكريمة، بداية معرفتك بأهمية لباس المرأة ودوره في تقليل طمع مريض النفس أمر مهم، وهذا أحد مقاصد الحجاب في الإسلام، لكنه ليس السبب الوحيد للتعرض للمعاكسات، بل هو جزء من مجموعة أسباب، من أبرزها:
• البيئة المختلطة: التواجد في أماكن يكثر فيها الاختلاط غير المنضبط يزيد فرص المعاكسات، والأصل اختيار بيئة أكثر انضباطا قدر الإمكان، فإن تعذر ذلك فلتكن هناك حدود واضحة ومأمونة لحماية نفسك من المعاكسات وغيرها، كصحبة الطالبات الصالحات، وتجنب التجمعات المختلطة قدر الإمكان، وعدم فتح باب للحوارات والتعارف بلا حاجة.
• غياب الإنكار الصريح: عدم إظهار الرفض قد يفهم منه الرضا، مما يشجع مريض النفس على التمادي، بينما الرد الحازم غالبا يردعه، كذلك من المهم رفع الأمر للجهات المختصة، كإدارة الجامعة، لضبط السلوك العام وسن القوانين الرادعة لمن يخالف ذلك.
• تفسير المعاكسات على أنها تقدير للجمال: فالنفس قد تزين الموقف وتعطيه شكلا زائفا من المبررات، مع أن حقيقته نظرة سطحية لا تحمل احتراما أو تقديرا، مما قد يدفع إلى ثقافة التبرير التي ينتج عنها التقليل من شأن المعاكسات بوصفها مجرد "كلمات عابرة أو تصرفات طائشة"، وكل هذا يعمق المشكلة ويزيدها.
• ضعف الوازع الإيماني: الخوف من الله واستشعار رقابة الله تعالى، يدفعان الإنسان لرفض كل ما يفتح أبواب الفتنة خوفا من الله أولا، ثم خوفا من الوقوع فيها.
• ثقافة المجتمع: انتشار هذه السلوكيات دون إنكار أو ردع يجعلها مألوفة، بل قد تصور كعلامة تقدم ورقي أو انفتاح في بعض المجتمعات، وهو انحراف وانتكاسة في المعايير الأخلاقية والدينية والمجتمعية المحافظة، فالشخص المعاكس يتغذى على ردة الفعل؛ فكلما كان رفض المجتمع أو رفضك واضحا وصارما، ضعفت الجرأة والتكرار.
أختي الفاضلة، بقدر ما يتوفر واحد من هذه العناصر ستجدين أن المعاكسات تتكرر، لذلك لا بد من السعي لتجنب ما يمكن منها، ومعالجة البقية حتى تختفي هذه العادات السلوكية السلبية قدر الإمكان.
ثانيا: لماذا تشعرين أحيانا بالقيمة رغم أنه تحرش؟
الإنسان مفطور على حب التقدير، وإذا لم يشبع هذا الاحتياج بطريقة صحية، قد يبحث العقل عن بدائل مشوهة، وقد ذكرت في سؤالك "إنه ليس من أحد يثني علي في بيتي بقدر ما أحب"، فقد تلامس نظرة أو كلمة عابرة فجوة داخلية، أو نقصا في الإشباع العاطفي، فتشعرك بقبول مؤقت أو تقدير وهمي، لكنه تقدير زائف؛ لأن التقدير الحقيقي يكون للقيم الراقية التي تسمو بالإنسان روحا وعقلا ومعنى، كالتفوق والنجاح والإبداع والسمعة الحسنة والأخلاق الكريمة والصلاح وفعل الخير، وهذه قيم تبقى ويحمد صاحبها عليها بين الناس.
لذلك ارفعي مستوى تقديرك لذاتك من خلال هدف راق، ونجاح، وتفوق، وتميز، وكريم أخلاق، بحيث يصبح كل ما لا ينسجم مع قيمك شيئا هامشيا لا يستحق الالتفات إليه.
ثالثا: لماذا يصعب تجاوز الموقف؟
لأن الوعي المسبق بالموقف (وهو هنا المعاكسات) يجعلك في حالة ترقب، فعند حدوثه يترسخ أثره نفسيا في وعيك فيبقى تأثيره طويلا، أما مشاعر الضيق فهي نتيجة للتصادم بين الفطرة السليمة لديك والتي ترفض هذا السلوك، وبين مشاعر حب التقدير التي قد تشعرين بنقصها.
ومن المهم في علاج هذا أن تعي أن رفض هذه السلوكيات هو نداء الفطرة والطهارة في داخلك، وهذا الشعور لا بد من تعزيزه ليكون خوفا من الله وخشية من معصيته أولا وأخيرا، أما رغبة التقدير فلتبن وفق قيمك السامية والراقية، ابني تقديرك الذاتي على إنجازاتك، وأخلاقك، وعلمك، فهذه قيم ثابتة بخلاف الجمال العابر.
اسألي نفسك: هل سيبقى الجمال؟ وهل بزواله تزول قيمتي؟ مثل هذه الأسئلة تعيد التوازن وتسقط التقدير الوهمي، مع ضرورة التفكير في النتائج النهائية لحب هذا السلوك السلبي؛ فالاعتياد قد يفتح الباب لتدرج الشيطان في خطواته لا تحمد عقباها.
أختي الفاضلة، صحيح أن الجمال نعمة، ولست مسؤولة عن شهوة الآخرين، لكن عليك بذل الأسباب التي تقلل أسباب الفتنة والأذى من جهتك وتدفعه عنك، قال تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ۚ ذٰلك أدنىٰ أن يعرفن فلا يؤذين ۗ وكان الله غفورا رحيما)، فالآية تبين جانب الوقاية، مع بقاء الإثم على المعتدي، كما أن شكر نعمة الجمال يكون بحمد الله وتوجيهها في طاعته، لا بجعلها مصدر بحث عن نظرات الناس.
رابعا: لماذا نشعر أحيانا بالسوء من أنفسنا؟
لأن صراع النفس بين ما يجب وما لا يجب يصيبها بالتصادم والاضطراب، وينتج عن ذلك مشاعر الحيرة والقلق، لذلك أرشدنا الشرع إلى أن نضبط سلوكياتنا وفق وحي السماء الذي جاء به خالق الإنسان، الذي يعلم ما يضره وما ينفعه، حتى ترتاح النفس من مخاوف الاضطراب والخطأ، قال تعالى: (قال اهبطا منها جميعا ۖ بعضكم لبعض عدو ۖ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقىٰ).
المجتمع والبيئة المحيطة بك قد تزرع فيك مفاهيم وسلوكيات قد لا تكون منضبطة بما يرضي الله، فاجعلي معيارك هو شرع الله في كل أحوالك، فهو الطريق الأقوى والأقوم.
وأخيرا: التغيير يحتاج جهدا وصبرا وصدقا مع النفس، قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتىٰ يغيروا ما بأنفسهم).
وفقك الله ويسر أمرك.