الفقر والديون والقرض الربوي أثرت على نفسيتي كثيرًا!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مررت بظروف غاية في الصعوبة من فقر مدقع وديون أثرت كثيرا على صحتي النفسية، حتى أصبحت أكره نفسي وأتمنى الموت وأدعو على نفسي، ولولا الخوف من الله وخشية شماتة الناس لانتحرت.

أتناول دواء أريبك بجرعة 20 ملغ، وأرتاح عندما آخذه، لكنه يؤثر على قدراتي الجنسية، فهل هناك علاج آخر؟

أصلي وأقرأ القرآن وأدعو الله وأستغفر كثيرا، لكني اقترضت قرضا ربويا، وهذا سبب شقائي. أرجو النصيحة، فإني مكتئب جدا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بداية نشكر لك تواصلك مع موقع إسلام ويب وطلب الاستشارة، وهذا يعد أولى خطوات الوصول إلى حلول للأزمات الحالية.

واعلم أن ما يمر به المؤمن من ضيق نفسي أو مادي هو من سنن الابتلاء، وليس دليلا على غضب الله، بل قد يكون رفعة وتطهيرا ورحمة خفية، ورحمة الله أوسع من كل هم وذنب، ولا يجوز للمسلم أن يقنط منها مهما اشتدت الظروف، ومع صدق اللجوء إلى الله، فإن الأخذ بالأسباب العلاجية ومراجعة المختصين هو من تمام التوكل، وبه يكتمل طريق التعافي بإذن الله.

وما ذكرته من معاناة الفقر وتراكم الديون وما صاحبها من ضغط نفسي أمر مفهوم، فالضغوط المالية من أشد ما يرهق النفس ويبعث على القلق والحزن، وما تشعر به من كراهية للنفس وتمني الموت هو من أعراض الاكتئاب، وهو مرض حقيقي لا يدل على ضعف إيمان، بل يحتاج إلى علاج وأخذ بالأسباب.

وقولك: "لولا الخوف من الله وشماتة الناس لانتحرت" يدل على أن في قلبك بقية قوية من الإيمان والخشية، وهذه نعمة عظيمة ينبغي أن تحمد الله عليها، ولكن في الوقت نفسه فإن وجود أفكار انتحارية –ولو على سبيل التمني– أمر خطير لا ينبغي التهاون به، لأن الاكتئاب قد يشتد في لحظات، فيدفع الإنسان إلى تصرف يندم عليه لو عاد إليه وعيه الكامل.

لذلك من الضروري جدا أن تكون صريحا مع طبيب نفسي متخصص، وأن تخبره بوضوح بوجود هذه الأفكار، حتى لو كانت متقطعة، لأن إخفاءها يمنع الطبيب من تقدير شدة الحالة ووضع الخطة العلاجية المناسبة، وقد تحتاج في بعض الحالات إلى متابعة أدق أو تعديل دوائي عاجل.

وإذا شعرت في أي وقت أن الأفكار تشتد أو أنك تخشى على نفسك، فالمبادرة إلى مراجعة الطوارئ في أقرب مستشفى واجب لحفظ النفس، وهو من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها.

أما بخصوص دواء (أربيك 20 مجم - Arbic) – والذي يعد من الأدوية الفعالة في علاج الاكتئاب والقلق، وبخصوص آثاره الجانبية ذات التأثير على الرغبة أو الأداء الجنسي، فالحل لا يكون بإيقاف الدواء من نفسك، لأن التوقف المفاجئ قد يزيد الأعراض سوءا، وإنما بمراجعة الطبيب المعالج لمناقشة الأمر بصراحة، فهناك بدائل دوائية قد يكون تأثيرها الجنسي أقل عند بعض الناس، وتوجد إمكانية لتعديل الجرعة أو إضافة علاج مساعد بواسطة الطبيب فهو الأقدر على الموازنة بين الفائدة العلاجية والآثار الجانبية، لذا فهناك ضرورة حتمية لأهمية المتابعة المستمرة مع الطبيب المختص.

وأما ما يتعلق بالقرض الربوي وشعورك بأن ذلك سبب شقائك، فإن الشعور بالندم علامة خير في القلب، والتوبة الصادقة تمحو ما قبلها، والله تعالى وسعت رحمته كل شيء، وقد نهى عن القنوط من رحمته؛ قال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ۚ إن الله يغفر الذنوب جميعا ۚ إنه هو الغفور الرحيم}.

فعليك أن تجدد التوبة، وتعزم على تجنب مثل ذلك مستقبلا، وتسعى في سداد ما عليك بخطة واقعية هادئة، ولا تجعل هذا الأمر يتحول إلى سوط تجلد به نفسك صباح مساء؛ لأن جلد الذات المفرط يزيد من أعراض الاكتئاب، حيث يضخم الأخطاء ويغفل أبواب الرحمة.

ومن المهم أن تعلم أن الاكتئاب يغير طريقة تفكير الإنسان، فيجعله يرى نفسه بلا قيمة، ومستقبله مظلما، وأخطاءه غير قابلة للمغفرة، وهذه ليست حقائق ثابتة، بل هي انعكاس لحالة كيميائية ونفسية قابلة للعلاج، ولذلك فإن الجمع بين العلاج الدوائي، والمتابعة المنتظمة مع طبيب نفسي متخصص أو معالج نفسي؛ يعد من أنجح الأساليب العلاجية.

فالجلسات النفسية تساعدك على تصحيح الأفكار السلبية، والتعامل مع الشعور بالذنب، وبناء خطة عملية لمواجهة الضغوط المالية، وتعلم مهارات التكيف مع التوتر، والمواظبة على هذه الجلسات، مع الالتزام بالدواء كما يقرره الطبيب، وإبلاغه بأي تطور في الأعراض أو عودة للأفكار الانتحارية، أمر أساسي في تحسن حالتك بإذن الله.

ونؤكد على أهمية استمرارك على الصلاة وقراءة القرآن والدعاء والاستغفار فكلها أبواب عظيمة للسكينة، لكن لا تجعل العبادة ساحة لمحاكمة نفسك، بل اجعلها موطن رحمة وافتقار إلى الله، وكن على يقين أن الابتلاء لا يعني غضب الله، بل قد يكون رفعة وتمحيصا، وأن بعد العسر يسرا ولو طال الطريق؛ قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا}، وقد قال النبي ﷺ : عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له.

نسأل الله أن يقضي دينك، ويشرح صدرك، ويعافيك في بدنك ونفسك، وأن يكتب لك الشفاء التام والعاجل، وأن يجعل لك من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا.

والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات