السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لدي صديق اتهم في قضية، وتم سجنه منذ نحو ثلاث سنوات، ولا يزال أمامه قرابة سنتين، حين وقعت له الضائقة، تواصل والده معي وطلب مبلغا من المال، مع العلم أني لم أكن أتواصل معه منذ سنوات بسبب مشاغل الدنيا.
استجبت لطلب والده، وبفضل الله وتوفيقه ورزقه، حولت له المبلغ المطلوب مضاعفا؛ إذ كان ينوي أن يطلب من عشرة أشخاص مثلا مئة من كل واحد، بينما أنا تكفلت بالمبلغ كاملا على دفعات، والحمد لله على ذلك.
وإلى الآن، أرسل له كل بضعة أشهر مبلغا بسيطا، لكني بدأت أشعر بالشك: هل أفعل ذلك من أجل الصداقة التي بيننا، أو لأجل أن يشعر بالمعروف الذي قدمته له حين تنفرج أزمته، أو لأجل الثناء علي؟ تراودني أفكار كثيرة ذات غرض دنيوي.
أنا في الحقيقة حولت له المبلغ بزيادة، وأحمل هم ضيقته وضائقة أهله، خاصة أن دخلهم محدود، وكذلك بسبب الصداقة التي بيننا، وأنه رغم انشغالي بأمور الدنيا خطر في باله أن يكلمني.
فكل هذه الأمور كانت من الأسباب التي دفعتني لمساعدته، غير أن السبب الأساس هو طلب الأجر والثواب من الله، إذ إني أعطيه المال بنية الصدقة لا بنية السلف.
وباختصار، أعترف أني أفعل ذلك طلبا للأجر والثواب وتفريج كربة مسلم، وفي الوقت نفسه بسبب الصداقة والأخوة التي بيننا؛ غير أني أخشى أن يكون هدفي في النهاية دنيويا، قائما على الصداقة أو الرياء، لا لوجه الله، فأخسر في الدنيا المال، وفي الآخرة الأجر والثواب.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حاتم .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ولدنا الكريم- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، كما نشكر لك وفاءك وحسن عهدك بصديقك وصاحبك.
وبداية نقول -أيها الحبيب- إننا نبشرك بما بشر به رسول الله ﷺ من وفى بحق الصداقة القديمة والمودة السابقة، فقد قال الرسول ﷺ: حسن العهد من الإيمان، فالإنسان الذي يتذكر ما سلف من الروابط بينه وبين الآخرين فيحاول الإحسان إليهم والوفاء لهم بما يقدر عليه، فهذا دليل على خصلة حميدة من خصال الإيمان، فحسن العهد جعلها الرسول ﷺ من الإيمان.
والله -سبحانه وتعالى- وصانا بأن لا ننسى ما بيننا من الفضل والمودة والصدقات، فقال: {ولا تنسوا الفضل بينكم}، وقد نسب إلى الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- أنه قال: "الحر يرعى وداد لحظة"، فالنفوس الشريفة الكبيرة تحفظ الود القديم والصداقات السابقة، وبقدر شرف نفس الإنسان يكون حمله لهذه الأخلاق.
فنحن نهنئك -أيها الحبيب- أولا بما تفضل الله به عليك ووفقك له، من تنفيس كربة أخيك المؤمن هذا وصديقك القديم، والقيام بالإحسان إليه وإلى أهله، لا سيما وأنت تقصد بذلك الأجر والمثوبة، فالله -سبحانه وتعالى- لن يضيع سعيك.
والإحسان إلى الآخرين الإنسان مأجور عليه كما يقوله كثير من العلماء ولو لم ينو النية الصالحة؛ لأنه خير يتعدى إلى غيره، كما قال الله في كتابه الكريم: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} ثم قال: {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما}.
فجعل الثواب على مرتبتين؛ المرتبة الأولى: إثبات الخيرية في عملهم بمجرد العمل، ثم المرتبة الأعلى وهي أن يكون العمل ابتغاء مرضات الله، فهؤلاء وعدهم بالثواب العظيم، فالخير المتعدي إلى الناس ينفعك على كل تقدير، ولكننا على ثقة من أنك قد استحضرت هذه النية الصالحة فنرجو لك الثواب الأعظم والجزيل والأكبر.
وأما ما يحاول الشيطان أن يخوفك به من إفساد نيتك، وإحباط أجرك من كونك تفعل ذلك؛ لأنه صديق قديم، أو لنحو ذلك، فهذه المقاصد لا تؤثر في النية الصالحة، فإن الرسول ﷺ حين أكد الصدقة والإحسان إلى الأقارب، قال عن صدقته على القريب: صدقة وصلة؛ فكون المتصدق يقصد الصلة ويقصد أداء حق هذا الإنسان لا يقلل من صدقته، بل يزيدها ويعظم أجرها.
ولذا نحن نرى -أيها الحبيب- أن تستمر على هذا الخير وأن تسأل الله تعالى أن يثبتك عليه وأن يتقبله منك، وأن تجاهد نفسك في استحضار النية الخالصة لله تعالى، والذي يعينك على هذا أن تدرك أن الثواب كله من الله تعالى، وإذا رضي الله تعالى عن الإنسان وأحبه جعل له القبول الحسن في الدنيا والثناء العطر على ألسنة الخلق، ولكن الإنسان ينبغي أن يجاهد نفسه على قصد وجه الله الكريم، وأن يعمل العمل لوجه الله تعالى.
فاحذر -بارك الله فيك- أن يحول الشيطان بينك وبين هذا الخير ويقطع عليك هذا الطريق، ويزهدك في هذا العمل الصالح، ويخوفك من تفويت الأجر وتضييع المال، ونحو ذلك من الحيل الشيطانية التي يريد بها أن يقطعك عن هذا العمل الصالح، فقد قال الرسول ﷺ: إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها.
نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير وأن يثبتنا وإياك على الخير حتى نلقاه.