السؤال
السلام عليكم.
أنا في فترة الملكة، وتبقى على زواجنا قرابة الشهرين، خطبت زوجتي، وبعد النظرة الشرعية لم أكن راضيا عن شكلها، لكنني وافقت لدينها وخلقها، وبعد عقد القران حدثت مشاكل كثيرة؛ لأن زوجتي حساسة، وتفسر كل موقف، وتفكر فيه كثيرا حتى تزعل، والنقاش معها بعد ذلك صعب، ولا نصل لنقطة التقاء في معظم النقاشات.
أصبحت المشاكل كثيرة، حتى أثناء زيارتي لها في فترة الملكة تحدث المشاكل وأنا عندها، والمفترض أن هذه أجمل فترة تمر بدون مشاكل.
أصبحت قلقا جدا، وأتضايق دائما من أبسط شيء قد يسبب لنا مشكلة، وأخشى أنها إذا جاءت إلى بيت أهلي ستعتبر أي فعل يصدر من أهلي -سواء بقصد أو من غير قصد- أنه خطأ في حقها، وبالتالي ستسبب لي المشاكل، ويعلم الله أني لا أقوى على ذلك.
زوجتي تحبني كثيرا، ومتعلقة بي كثيرا، ولكن بسبب المشاكل فكرت بالانفصال، وأن أنهي كل شيء أكثر من مرة، بسبب هذه المشكلات شبه اليومية.
أتمنى مشورتكم ونصحكم لي، بكيفية التعامل مع هذه المواقف.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ معن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الكريم- في شبكة إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول وبالله تعالى التوفيق:
بداية: أسأل الله أن يشرح صدرك، ويكتب لك الخير حيث كان، وأن يؤلف بينكما إن كان في الزواج خير لكما.
ما تشتكي منه يقع لبعض الأزواج في هذه المرحلة؛ لأنها غالبا تكون حساسة، ومشحونة بالتوقعات، خصوصا من الطرفين؛ لأن العلاقة أصبحت شرعية، لكن الحياة المشتركة لم تبدأ بعد، فلا يوجد احتكاك يومي طبيعي يخفف الحساسية.
ذكرت أنك لم تكن راضيا عن شكلها بعد النظرة الشرعية، لكنك وافقت على الزواج بها لدينها وخلقها، وهذا في ذاته اختيار صحيح شرعا؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: فاظفر بذات الدين تربت يداك.
السؤال المهم الذي يجب أن تجيب عليه بصدق: هل عدم رضاك عن الشكل مجرد نقص في مستوى الجمال الذي تتمناه، أم نفور حقيقي يمنع القبول النفسي؟ فبين الأمرين فرق كبير:
- فكونها ليست كما كنت تتمنى يختلف عن كونك لا ترتاح لها، ولا تستسيغ النظر إليها؛ فالثانية قضية لا تحل بعد الزواج غالبا؛ لأن القبول الجسدي أساس مهم في استقرار العلاقة الزوجية، أما الأولى فكثير من الأزواج تنمو الألفة والميل بعد العشرة والانسجام، خاصة إذا كان الدين والخلق موجودين.
من وصفك تبين أن زوجتك شديدة التعلق بك، وأنها حساسة جدا، وتفكر كثيرا في الموقف، وتفسر الكلام على أسوأ الاحتمالات؛ وهذا غالبا سببه إما خوف من فقدانك، أو قلق عاطفي، أو قلة خبرة في إدارة الخلاف، وقد تكون طبيعة شخصيتها قلقة، وفي فترة الملكة تحديدا تكون الفتاة أكثر حساسية؛ لأنها تشعر أنها "انتقلت" لكنها لم تستقر بعد.
الطلاق قبل الدخول جائز شرعا إن تعذر التوافق، لكن لا يقدم عليه إلا بعد محاولة جادة لإصلاح الخلل، ويتضح أن المشكلة جوهرية لا يمكن التعايش معها.
المشكلة التي ذكرتها ليست متعلقة بدينها، ولا بخلقها، ولا قطيعة، ولا إساءة متعمدة، بل هي سوء إدارة للنقاش، وحساسية مفرطة، وهذه أمور يمكن معالجتها، وستزول بعد حصول السكن النفسي لك ولزوجتك.
دونك بعض التوجيهات العملية:
غير طريقة إدارة النقاش؛ فلا تناقشها وهي زعلانة، فإذا بدأت تفكر كثيرا وتفسر، قل لها بهدوء: أرى أن الموضوع ضايقك، فأستأذنك في تأخير الحديث لوقت آخر.
لعلك تدرك أن المرأة كتلة من المشاعر، وهذه هي طبيعة خلقتها؛ لذلك تجدها حساسة جدا من هذه الناحية، فتحتاج إلى طمأنة من هذه الناحية أكثر من أي شيء آخر، وإذا سمعت منك ما يطمئنها ستتغير تلك السلوكيات التي تزعجك، فلو قلت لها مثلا: أنت مهمة عندي، وغالية على نفسي، ولا أقصد، ولا أريد أن أزعلك، وإن زعلت فلا أتحمل زعلك؛ سترى أسارير وجهها، وابتسامتها، والسبب في ذلك أن المشكلة ليست في الحدث، بل في شعورها بعدم الأمان.
لا بد من التفاهم معها بلطف ورفق، ومع هذ كن حازما، وقل لها بدون تهديد: "أنا أحبك، لكني لا أقدر على العيش تحت ضغط المشاكل اليومية، فلا بد أن نتعلم اجتياز الأمور الصغيرة".
من الخطأ أن تستبق الأحداث، فتكون صورة ذهنية مستقبلية سوداء؛ فقولك: " أخشى أنها إذا جاءت إلى بيت أهلي ستعتبر أي فعل يصدر من أهلي -سواء بقصد أو من غير قصد- أنه خطأ في حقها، وبالتالي ستسبب لي المشاكل، ويعلم الله أني لا أقوى على ذلك"، بهذه الجملة أنت تبني مخاوف على شيء لم يحدث بعد، فلا تجعل القلق يقودك لاتخاذ قرار الفراق.
للشيطان مدخل في هذه المرحلة؛ فهو يسبب حصول الضيق في الصدر، والنفور، وتصوير الحسن بأنه قبيح، ويأتي بالشكوك والمخاوف، فلا تصغ لما يحيك في نفسك؛ فكثير مما تشعر من وساوس الشيطان الرجيم.
قلة الخبرة في حل الإشكالات الزوجية، وعدم معرفة الصفات النفسية التي يحملها كل طرف، ومحاولة كل طرف أن يطبع صاحبه على طباعه سبب رئيس فيما تعانيه؛ فأنت تدرك أن البيئة التي عشت فيها مغايرة للبيئة التي عاشت زوجتك فيها، ولذلك لا بد من الصبر، ومحاولة إصلاح بعض الصفات بهدوء، والتغاضي عن الصفات التي لم تستطع تعديلها، وإرجائها لوقت آخر، وصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال في المرأة: " إنها خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا" رواه البخاري.
لا يكون الانفصال حلا إلا إذا تيقنت أن النفور الحاصل عندك من شكلها، ولا تستطيع التأقلم معه بحال من الأحوال، أو تولد عندك شعور دائم بعدم الرغبة في الاستمرار، أو حدث عندك استنزاف نفسي حاد لا تقدر على احتماله، أو بعد محاولات معها ترفض رفضا باتا إحداث أي تطوير أو تعديل في صفاتها.
أوصيك قبل اتخاذ أي قرار أن تصلي صلاة الاستخارة، وأن تدعو بالدعاء المأثور، فاختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه، ثم تشاور العقلاء من المشايخ وأصحاب الرأي، فقد يبدو لك من كلامهم بعد آخر لم يكن في حسبانك.
تضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وتحين أوقات الإجابة، وخاصة الثلث الأخير من الليل، وأثناء السجود، وسل ربك أن يشرح صدرك، ويذهب عنك خواطر ووساوس الشيطان الرجيم، وأن يختار لك ما فيه الخير، وأكثر من دعوة ذي النون؛ ففي الحديث دعوة ذي النون: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"، ما دعى بها أحد إلا استجيب له.
أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويسعدك، ويلهمك الصواب إنه سميع مجب.