السؤال
السلام عليكم.
في الحقيقة تعرضت لانتكاسة طويلة جدا على كل محاور الحياة: في التعليم، الدين والتطور، تخطت حاجز ٢٥ شهرا، وما زالت حتى الآن.
عندما كنت في المرحلة الإعدادية كنت شخصا منظما، سويا فكريا، ومجتهدا في طاعة الله، ودراستي، وأذهب للعمل في فترة الصيف، وبار بوالدي، كنت نموذجا مثاليا للطالب المسلم.
ثم في المرحلة الثانوية، وخصوصا في الفصل الثاني للصف الأول الثانوي، بدأت انقطع عن الدروس، وأهمل في صلاتي، وبالكاد أصوم رمضان فقط، أتكاسل عن الأذكار والطاعات، وبالرغم من أنه لم يتبق على امتحانات الثانوية العامة سوى 3 أشهر إلا أنني لا أشعر بالمسؤولية!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مصطفى حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
بداية، لا بد أن تعلم أن وجود مشاعر تأنيب الضمير على التقصير –إذا كانت في حدودها الطبيعية التي تدفع الإنسان إلى الخير وتلومه على التراجع– هو أمر صحي، وهو من عمل النفس اللوامة في الإنسان، وهذا الشعور مهم؛ حتى تتغلب على أي ضعف في حياتك.
لكن جوهر المشكلة لديك يكمن في فقدان القيادة الداخلية التي تضع لك خطة واضحة لتحقيق أهدافك، وتوجهك نحوها بوعي، وتبني لديك نظاما معرفيا يحميك نفسيا، وسلوكيا، في لحظات الفتور والضعف؛ حتى لا تتحول إلى سقوط وانتكاسة؛ لذلك فأنت بحاجة ماسة إلى فهم ثلاثة أمور رئيسة، ومعرفة أثرها في حياتك:
أولا: بناء نظام معرفي يحميك عند ضعفك: المقصود بهذا النظام أن تمتلك وعيا بكيفية التعامل مع لحظات الفتور والتراجع بطريقة صحيحة؛ حتى لا يتفاقم الأمر، ويصل إلى حد التفريط، ومن ذلك فهم طبيعة النفس في إقبالها وإدبارها، كما جاء في الحديث: (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك).
فالنفس تمر بلحظات نشاط وإقبال على الخير، ولحظات ضعف وفتور، وهذا حال جميع الناس، والمطلوب في حال النشاط أن يكثر الإنسان من الخير، وفي حال الفتور أن يرفق بنفسه، ويأخذ بالأيسر من الطاعات، لكن دون أن يتجاوز ذلك إلى ترك الفرائض، أو الوقوع في المحرمات.
ثانيا: وضوح الهدف: من المهم أن يكون لديك هدف مركزي واضح في حياتك، وأهداف مرحلية صغيرة تقودك إليه، وضوح الرؤية يمنحك الثبات والاتجاه.
ربما في بدايات حياتك لم تكن تحتاج إلى تحديد هدف بوضوح؛ لصغر سنك، وبساطة المرحلة، وعدم إدراكك لما تحمله المراحل القادمة من تغيرات فكرية وسلوكية، لكن مع تقدمك في العمر، وظهور متغيرات كثيرة، أصبح من الضروري أن تعيد بناء نفسك وفق المرحلة الجديدة.
مرحلة المراهقة تختلف عن مرحلة الطفولة؛ ففيها تتشكل عناصر جديدة في الشخصية، مثل: حب الاستقلال، والرغبة في المشاركة، والبحث عن التقدير الاجتماعي، واتخاذ القرار، وهذه التحولات تحتاج إلى وعي وفهم؛ حتى لا يشعر الإنسان بالاضطراب، أو الانتكاسة بسبب عدم قدرته على التكيف معها، وهو ما تمر به الآن، فلكل مرحلة عمرية أساليبها في البناء، ومن الخطأ أن نتعامل بعقلية مرحلة سابقة مع واقع جديد مختلف.
ثالثا: الشعور بالاتجاه والقدوة: فوجود التوجيه والقدوة الحسنة في هذه المرحلة أمر بالغ الأهمية؛ فلا بد من صحبة صالحة، وبيئة أسرية واعية تعينك على الخير، وتصحح لك الخطأ، وتبني فيك الثقة بالنفس، وتشعرك أنك تسير في الطريق الصحيح، غياب هذا الدعم قد يجعل الإنسان يتخبط وحده، ويضعف دون أن يشعر بحقيقة ما يحدث له.
ما تمر به مرحلة عمرية طبيعية يمر بها كثير من الناس، لكنها تحتاج إلى وعي وحذر؛ حتى لا تتحول إلى انحراف، أو استسلام للشهوات؛ لذلك سنضع بين يديك مجموعة من النصائح التي نسأل الله أن ينفعك بها:
أولا: اعلم يقينا أن ما تمر به انتقال طبيعي من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب والرجولة، وهي مرحلة مليئة بالتغيرات الفكرية، والنفسية، والجسدية، وتعلم طبيعة هذه التغيرات، وكيفية التعامل معها؛ حتى لا تشعر بالارتباك، أو الفشل عند ظهورها، وهي مرحلة المراهقة.
ثانيا: حدد أهدافك بوضوح، وارسم خطة مرحلية واقعية للسير نحوها؛ فوجود خطة يقلل التخبط، ويمنع ضياع الوقت والعمر.
ثالثا: ابن بيئة داعمة حولك؛ ورفقة صالحة تعينك على الخير، وتذكرك إذا نسيت، وتقويك إذا ضعفت، هذه البيئة عنصر أساسي في الثبات والنجاح.
وأخيرا: الخطوة الأولى الآن هي المبادرة إلى توبة نصوح من أي تفريط في الفرائض، أو تهاون بها؛ فهذا أمر خطير، ثم ابدأ ببناء نفسك إيمانيا؛ قو علاقتك بالله تعالى، وأكثر من ذكره وطاعته، وسر على منهجه؛ فإن ذلك يمنحك الطمأنينة والسعادة والثبات.
وأي لحظة تشعر فيها بالضعف، بادر إلى القربات السهلة ذات الأثر العميق، مثل: ذكر الله، وقراءة القرآن، والمداومة على الدعاء، هذه الأعمال يسيرة في جهدها، عظيمة في أثرها؛ حيث جاء في الحديث: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم).
أكثر من الدعاء بالثبات والصلاح، وخذ بالأسباب العملية للتغيير، واعلم أن التغيير يبدأ منك أولا، كما قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
وفقك الله ويسر أمرك.