السؤال
السلام عليكم.
أنا فتاة بيولوجيا، لكن منذ فترة طويلة أشعر داخليا أني ولد، هذا الشعور سبب لي صراعا نفسيا كبيرا، خصوصا عندما أرى شكلي الخارجي، أو عندما أتعامل كأنثى.
حاولت كثيرا أن أغير من سلوكياتي، وأتجاهل هذا الإحساس، لكنني لم أستطع؛ فقد وصل بي الحال أني أصبحت أكره جسمي بشكل شديد، وحاولت الانتحار بسبب هذا الصراع بين هويتي الداخلية وشكلي البيولوجي.
حاليا أعيش تحت ضغط نفسي قوي، وتشتت بين شعوري الحقيقي، وبين الواقع الذي أعيشه، وأحتاج لفهم حالتي، وأجد طريقة أتعامل معها بشكل صحي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ الحياة حلوة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكر لك تواصلك، وطلب يد العون من موقع إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويكشف همك، ويكتب لك العافية في دينك ونفسك وجسدك.
ما ذكرته من شعور داخلي بأنك "ولد" مع كونك أنثى بيولوجيا، وما يترتب عليه من كراهية للجسد، ومحاولة إيذاء النفس، ويدل على صراع نفسي عميق، وضغط شديد، ولا يجوز بحال إهماله، أو التقليل من خطورته، خاصة مع وجود محاولة انتحار سابقة؛ فهذه علامة تستوجب عناية عاجلة ومتكاملة.
أول ما ينبغي تقريره شرعا أن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، وجعل الذكورة والأنوثة آية من آياته، قال سبحانه: ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى﴾، فالأصل أن هوية الإنسان مرتبطة بخلقه البيولوجي الذي قدره الله بحكمة، لكن هذا الأصل الشرعي لا يعني تجاهل ما قد يتعرض له الإنسان من اضطرابات نفسية، أو تصورات داخلية ملحة تخالف هذا الواقع؛ فالشعور في ذاته لا يؤاخذ عليه العبد، وإنما المؤاخذة على ما يختاره من أفعال وتصرفات بعد ذلك.
من الناحية النفسية: ما تمرين به يعرف في بعض التصنيفات الحديثة باضطراب الهوية الجندرية، أو اضطراب التوافق مع الجنس البيولوجي، وهو صراع داخلي قد يرتبط بعوامل متعددة: تجارب طفولية، نماذج أسرية، صدمات، قلق، اكتئاب، أو اضطرابات في صورة الجسد، وكراهية الجسد الشديدة، ومحاولة الانتحار تدل غالبا على وجود اكتئاب مصاحب، أو اضطراب قلق حاد، وهذا بحد ذاته يحتاج إلى تقييم متخصص؛ لأن الاكتئاب يضخم الأفكار، ويجعلها أكثر حدة وسوداوية.
ومن الناحية البيولوجية: لا بد من التنبيه بوضوح إلى أهمية مراجعة طبيب مختص في الغدد الصماء والهرمونات؛ لإجراء فحوصات دقيقة تشمل التوازن الهرموني، وبعض التحاليل المتعلقة بالكروموسومات عند الحاجة؛ فهناك حالات نادرة، أو اضطرابات هرمونية قد تؤثر في الإحساس بالهوية، أو في السمات الجسدية، ولا يجوز إغفال هذا الجانب، والتقييم الطبي المتخصص خطوة أساسية قبل أي تفسير نفسي أو قرار مصيري.
أما من الناحية الروحية: فإن هذا الصراع –على شدته– لا يعني أنك بعيدة عن الله، أو أنك فاسدة الفطرة، بل هو ابتلاء من نوع خاص، والابتلاء لا يدل على غضب الله، بل قد يكون باب رفعة إن صبر العبد وطلب العلاج.
المهم أن لا يتحول الألم إلى اعتراض على خلق الله، أو رغبة في تغييره؛ لأن ذلك يفتح بابا أعظم من الحيرة والندم، قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وما دام الله قد أبقى لك العقل والإدراك، فهو سبحانه يعلم قدرتك على تجاوز هذه المرحلة بالعلاج والصبر.
ومن الناحية الاجتماعية،: من المهم جدا ألا تعيشي هذا الصراع وحدك في عزلة كاملة، اختاري شخصا راشدا أمينا –ويمكنك الاستعانة بوالدتك لأنها ستتفهم وضعك، أو أخت كبيرة، قريبة حكيمة، أو مستشارة نفسية– لتشاركيها جزءا من مشاعرك؛ فالكتمان الطويل يزيد تضخم الفكرة داخل النفس، ويجعلها كأنها الحقيقة الوحيدة، بينما الحوار المنضبط يخفف حدتها.
أما التوصيات العملية الواضحة في وضعك فهي كالتالي:
- بادري بحجز موعد عاجل مع طبيب نفسي موثوق لتقييم حالتك تقييما شاملا، مع التصريح الصادق بمحاولة الانتحار السابقة، فهذا أمر لا يجوز إخفاؤه طبيا، واطلبي كذلك تحويلا لطبيب غدد لإجراء الفحوصات اللازمة.
- ابتعدي تماما عن متابعة المحتويات الإلكترونية، أو المجموعات التي تعزز فكرة تغيير الجنس، أو تدفع نحو قرارات جذرية قبل العلاج؛ لأنك الآن في حالة ضعف تحتاج إلى استقرار، لا إلى تحفيز إضافي للصراع.
- احرصي على برنامج يومي منضبط: نوم كاف، نشاط بدني منتظم، تقليل العزلة، والالتزام بالصلاة في وقتها، فالصلاة تثبت الإيقاع الداخلي للنفس، وإذا عادت إليك أفكار إيذاء النفس، فاطلبي المساعدة فورا من شخص قريب، أو من خدمات الطوارئ في بلدك، ولا تبقي وحدك في تلك اللحظات.
- نختم بالتأكيد على أن حياتك ثمينة، والانتحار ليس حلا، بل انتقال من ألم دنيوي قابل للعلاج إلى حساب بين يدي الله، فلا تجعلي لحظة يأس تقرر مصيرا أبديا، ولمزيد من الفائدة راجعي هذه الروابط: (2396489 - 2235846 - 2136740 - 2364663 - 2294112).
نسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يكتب لك الشفاء العاجل، وأن يرزقك طمأنينة تعيد إليك السكينة والرضا، وأن ييسر لك من يأخذ بيدك إلى بر الأمان.