السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا امرأة متزوجة منذ ما يقارب السنة، كان زوجي في بداية عهدنا مهتما بي ويؤدي مسؤولياته تجاه البيت والنفقة، إلا أن الحال تبدل منذ فقد عمله قبل نحو تسعة أشهر؛ إذ صار مقصرا في حقوقي المشروعة، وكف عن الإنفاق علي أو متابعة شؤوني، بل أصبح يطالبني بتحمل مصاريفي بنفسي أو الاستعانة بوالدي، رغم قدرته على السعي، غير أنه لا يبذل جهدا كافيا في البحث عن عمل، ويقضي جل وقته في الألعاب الإلكترونية وأمور غير نافعة.
أنا حاليا أتابع دراستي في مدينة أخرى بعيدة عنه وعن أهلي، ويتكفل والداي -حفظهما الله- بدعمي ماديا ومعنويا، في حين يغيب زوجي عن مشهدي؛ فلا يسأل عني ولا يتحمل مسؤوليته تجاهي، وغالبا ما ينتظر مني المبادرة.
وعندما أذكره بواجباته يغضب ويقاطعني، وقد انقطع عن محادثتي مدة شهر كامل بسبب مطالبتي له بحقوقي، وإذا فاتحته في شأن العمل أو المستقبل طلب مني "التيسير" وعدم التشدد، وصور نفسه بمقام المظلوم، ملقيا بالمسؤولية علي.
هذا الوضع أثر علي نفسيا بشكل كبير؛ فأنا إنسانة طموحة وأخشى أن تقتل هذه السلبية طاقتي وتؤثر على مستقبلي واستقراري، لذا قررت أن أمنحه مهلة ثلاثة أشهر لمراجعة نفسه وإصلاح وضعه، فإن لم يتغير حاله ولم يتحمل مسؤولياته، فسأضطر لإطلاع والدي على الأمر والنظر في طلب الطلاق.
وعليه أرجو إفادتي بالآتي:
1. ما الحكم الشرعي في هذه الحالة؟
2. ماذا ينبغي علي فعله إذا استمر هذا التقصير في النفقة والاهتمام؟
3. هل يحق لي طلب الطلاق بسبب الإهمال، والهجر، وعدم تحمل المسؤولية والتقصير في النفقة والسؤال؟
4. هل يجوز تدخل العائلة للإصلاح، أو اتخاذ خطوات أخرى عند الحاجة؟
جزاكم الله خيرا، وبارك فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فدوى .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يصلح أحوال زوجك، وأن يحفظ عليك أسرتك الصغيرة، ونشكر لك ثانية تعقلك للأمر وتمهلك فيه، وهذا دليل على رجاحة عقلك، ونسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير، ويدبر لك أمرك أحسن تدبير.
قد أحسنت -ابنتنا الكريمة- حين أعطيت زوجك مهلة ليصحح أحواله وينظر في تدبير أمره؛ فهذا خير من التعجل بطلب الطلاق، وقد وصفت زوجك بأنه كان مؤديا لمهامه والواجبات التي تجب عليه قبل أن يفقد عمله، وربما كان هذا مؤشرا إلى أنه لا يريد التقصير ولا يفعله باختياره، وإنما شيء قدر عليه، وإذا كان هذا المؤشر واقعا؛ فقرارك بإعطائه الفرصة والمهلة قرار حسن، وستعود منفعته عليك وعلى زوجك.
ونحن ننصحك من الناحية الشرعية أن تحاولي المحافظة على أسرتك وزوجك بقدر الإمكان، فالله -سبحانه وتعالى- أرشد المرأة إذا خافت من بعلها نشوزا أن تتصالح معه، وأخبر سبحانه أن الصلح خير وأفضل من الفراق والطلاق؛ قال تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾ [النساء:128] وهذا الصلح من المؤكد أنه سينطوي على تنازل عن بعض الحقوق، فهذا الإرشاد القرآني من حكمه المحافظة على هذه الأسرة الصغيرة التي أنشئت، وعدم المسارعة إلى هدمها.
ينبغي أن يكون الكلام مع زوجك واضحا وصريحا، ولو عن طريق بعض الناس الذين يتأثر بهم وينتفع بكلامهم، ممن يريدون لكم الصلاح، ويحرصون على بقاء أسرتكم محفوظة من التفرق والتشتت.
فحاولي أن تستعيني ببعض العقلاء من أهلك ومن أهله؛ لمحاولة تقريب الأمر بينكما، ونصحه، وتذكيره بالواجبات التي تجب عليه، وبعد هذه الخطوة ينبغي أن تستشيري العقلاء من أسرتك وأهلك في الموازنة بين الأمرين: بين الاستمرار على ما أنت عليه من الزواج مع تقصير هذا الزوج، وبين طلب الطلاق.
فيجوز طلب الطلاق من الناحية الشرعية إذا كان الزوج مخلا بواجباته، ومنها واجب النفقة، فإذا لم ينفق على زوجته فمن حقها أو يجوز لها أن تطلب الطلاق لهذا السبب.
ولكن الحكم الشرعي في الجواز وعدم الجواز شيء، واختيار ما هو أنفع وأحسن عاقبة شيء آخر؛ ولهذا نصحناك ابتداء بأنه ينبغي الاجتهاد في محاولة الإصلاح والتقريب، وذلك باستعمال والاستفادة من العقلاء في الأسرتين لمحاولة التقريب بينكما.
وإذا تبين أن هذه الظروف قاهرة لزوجك وأنه لا يستطيع تغييرها، فنحن ننصحك بأن تصبري عليه، ولعل الله تعالى أن يجعل فرجا قريبا.
أما إذا تبين أنه لا يريد أن يقوم بواجباته ويحاول التهرب منها، وليست له رغبة في الجدية بأن يقوم بدوره كزوج وكرب للأسرة، ففي هذه الظروف يمكن أن يكون الطلاق هو الحل الأخير الذي تلجئين إليه، خير من تضييع العمر بدون جدوى وفائدة.
نحن نوصيك بالرجوع واللجوء إلى الله -سبحانه وتعالى- وكثرة دعائه بأن يختار لك الخير وأن يقدره لك، ويختار لك أرشد الأمور، مع إعمال العقل بترو وهدوء، ومشاورة العقلاء ممن حولك في الموازنة بين الأمور، وبهذا ستصلين -بإذن الله تعالى- إلى قرار صحيح لا تندمين عليه في مستقبل أيامك.
نسأل الله أن يقدر لك الخير حيث كان.