الخوف من الموت يزعجني ويضيق عليّ حياتي، فما الحل؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في يوم كنت سأخرج مع أصدقائي، فجأة شعرت بدوار غريب فظننت أنني سأموت، فخفت كثيرا ودخلت في نوبة هلع، وقلت إنني ارتكبت معاصي وأريد التوبة منها، ولم أتب بعد، فذهبت وصليت ركعتين (توبة).

في ذلك اليوم تقيأت ولم أستطع النوم جيدا، وبعدما هدأت قليلا أخذت قرارا بالتوبة من جميع المعاصي والإكثار من الطاعات، وحرصت على أداء جميع الفروض في جماعة.

استمرت النوبات بعد ذلك اليوم، لكن كانت أخف، وأحيانا كانت تأتيني في الصلاة فلا أستطيع التركيز، وأشعر أنني أريد قطع الصلاة، لكنني كنت أكملها، وبعد يومين تحسنت، غير أنني كنت أعود إلى بعض المعاصي التي اعتدت فعلها، ثم أتوب مرة أخرى، حتى مر أسبوع فارتكبت معصية وأخذت قرارا بالتوبة منها، فعادت إلي نوبة هلع شديدة مثل الأولى.

بعدها شعرت برعشة في جسدي ولم أستطع النوم، وكلما نمت أحسست بقبضة في قلبي فأستيقظ مفزوعا، كما شعرت بحرارة شديدة في جسدي، وبعد ذلك اليوم صرت أفضل، لكن لاحظت أنني كلما تناولت الطعام شعرت أنني أريد التقيؤ، حتى بدأت أخاف من تناول أي طعام.

في يوم آخر شعرت بدوخة وضيق في التنفس وهذيان، وكانت تراودني هذه المخاوف، حتى تقيأت ثم نمت واستيقظت، وبدأ يتكرر الشعور برعشة أو بتنميل في جسدي، وأن أعصابي ترتخي، مع ألم في قلبي وإحساس بالاختناق، وعندما كشفت عند الطبيب قال: إنه ليس بي أي مشكلة عضوية، وطلب مني أن أهدأ، وكتب لي أدوية للمعدة، وأخبرني أن عندي ارتجاعا في المريء.

هذه المخاوف ما تزال ملازمة لي، وقد بدأت أشعر بالاكتئاب وعدم الرغبة في فعل أي شيء، بل حتى لا أرغب في تناول الطعام، وفي الفترة الأخيرة بدأت أشعر بثقل شديد في جسدي، وبدأ ذلك منذ يوم إصابتي بنوبة الهلع.

نصحني أحد أصدقائي أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مئة مرة، فهدأت قليلا لكن شعرت بثقل في جسدي ورأسي كان ثقيلا جدا.

أنا متضايق جدا من هذه الأمور، وأشعر أنني لست على طبيعتي، أنا سعيد بأنني تركت المعاصي والذنوب، وبدأت أتقرب إلى الله، لكن الخوف من الموت يزعجني بشدة، وكذلك ما يحدث لي من رعشة في جسدي وإحساسي بالاختناق، وعدم القدرة على النوم، إضافة إلى نوبات الهلع أو التوتر التي قد تصيبني أيضا.

قلت لأهلي إنني أريد استشارة طبيب نفسي، لكنهم رفضوا وقالوا إنه سيعطيني مهدئات وأنها مضرة!

كل هذه الأمور تضايقني، ولا أعرف ماذا أفعل؟!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علي .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.

ما ورد في سؤالك -أخي الفاضل- ذكرني بالحديث عن النبي ﷺ، قال: ((إن الله ليعجب إلى العبد إذا قال: لا إله إلا أنت إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: عبدي عرف أن له ربا يغفر ويعاقب)) أخرجه الألباني في السلسلة الصحيحة. ومن منا -أخي الفاضل- لا يذنب ولا يخطئ؟ (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)؛ فنحن نسدد ونقارب في هذه الحياة، طمعا بمغفرة الله عز وجل، وقبوله ورضوانه سبحانه وتعالى.

أخي الفاضل: نعم ما ورد في سؤالك يصف تماما نوبة الهلع أو نوبة الذعر، إلا أنك أحسنت في مقاومتها وعدم الاستجابة لها؛ فمثلا أتتك في الصلاة، ومما -ربما- شجعك على ترك الصلاة إلا أنك لم تفعل، فاستمررت بالصلاة، وها أنت -ولله الحمد- تتقرب من الله أكثر، فهذا أمر طيب.

أخي الفاضل: واضح من سؤالك أن نوبات الهلع مترافقة مع حالة من القلق، والتي يمكن أن تفسر بعض هذه الأعراض البدنية التي تشعر بها، ومنها الصعوبات المعدية أو المعوية، فالقلق يمكن أن يسبب هذا، وإن كان الطبيب أحسن فوصف لك أدوية للمعدة، فهذا أمر جيد، طالما عندك -كما قال- ارتجاع المريء (Gastroesophageal reflux)، فيمكن أن تكون بعض الأعراض التي تعاني منها بسبب القلق والتوتر ونوبات الهلع، وربما بعضها بسبب مشكلة في المعدة.

من الطبيعي -أخي الفاضل- أن الإنسان عندما يعاني من بعض الأعراض، تأتي فكرة الموت إلى ذهنه، إلا أنك لا تحتاج أن أذكرك أن الموت حق على كل إنسان، {إنك ميت وإنهم ميتون}، كما قال الله عز وجل لنبيه محمد ﷺ، إلا أن الآجال والأعمار بيد الله عز وجل.

وقد طلب منا في الإسلام تذكر الموت ليس ليقعدنا، وإنما ليدفعنا إلى العمل والكفاح والسعي في هذه الأرض، متذكرين أن هناك يوم قيامة نحاسب فيه على أعمالنا؛ فذكر الموت الأصل أن يكون دافعا للاستقامة والحياة الكريمة وليس ليقعدنا.

ما المطلوب منك أخي الفاضل؟
إذا استطعت أن تتكيف مع نوبات الهلع، وتحدد درجة تأثيرها على حياتك فنعما بها، وإلا فلا مانع أبدا من استشارة الطبيب النفسي، بالرغم من معارضة أهلك لك، وكما يقال: "ما خاب من استشار"، ولعل الطبيب النفسي يقوم بفحص الحالة النفسية، ويضع لك التشخيص بعد أن يتأكد منه، ويصف لك الخطة العلاجية، ليس بالضرورة دوما عن طريق الأدوية، ولكن هناك علاجات نفسية أخرى غير الدوائية، إذا كنت لا ترغب بالأدوية كما قال لك أهلك.

أدعو الله تعالى أن يشرح صدرك وييسر أمرك، وأرجو -إن استمرت هذه المعاناة- ألا تتأخر أو تتردد في مراجعة الطبيب النفسي، داعيا الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية.
______________________________________________
تمت إجابة الدكتور / مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
______________________________________________

مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب.
أولا: نسأل الله تعالى أن يمن عليك بعاجل العافية والشفاء، ويصرف عنك كل سوء ومكروه.

وقد أفادك الأخ الفاضل الدكتور/ مأمون بما ينفعك -بإذن الله تعالى- من الناحية الطبية، ونرجو الله تعالى أن تكون أمورك إلى خير.

ونحن نؤكد أولا العمل بنصائح الدكتور مأمون، فإن الله تعالى ما أنزل داء إلا وأنزل له دواء، وينبغي للإنسان أن يأخذ بالأسباب، وكل ما ورد في تفسيرات الدكتور مأمون لحالتك، هي تفسيرات منطقية مقبولة، والاعتماد عليها والركون إليها أفضل بكثير من الجري وراء أوهام، أو احتمالات أخرى.

ومع هذا كله نزيدك في النصح -أيها الحبيب- أن تعتمد الدواء الروحي، الذي جعله الله تعالى شفاء، كما أخبر عن كتابه بقوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور}، وقال سبحانه وتعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء}، وقال: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء}، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكذلك أحاديث الرسول ﷺ في الرقية؛ فإنها أيضا شفاء.

فبجانب التداوي المادي الحسي -وهو من الأسباب الشرعية-، ينبغي الأخذ والاعتناء والاهتمام بالرقية الشرعية، فيحصن الإنسان نفسه من الآفات والأسقام والأمراض الروحية، بقراءة القرآن والإكثار من ذكر الله تعالى.

وننصحك بأن تستعمل الرقية الشرعية في نفسك، فترقي نفسك بنفسك، وهناك كتيبات صغيرة موجودة على شبكة الإنترنت فيها بيان الرقية الشرعية، مثل كتاب "الرقية الشرعية"، للشيخ/ سعيد بن وهف القحطاني.

وينبغي أن تواظب على قراءة الرقية الشرعية، وهي سهلة يسيرة، تقرأ ما تيسر منها: سورة الفاتحة، وآية الكرسي، والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، والآيات التي فيها ذكر إبطال السحر، والبحث عنها سهل يسير اليوم عن طريق التطبيقات، يمكن أن تكتب كلمة (السحر) فتظهر لك في القرآن الكريم، فتقرأ الآيات التي فيها ذكر إبطال السحر، والمعوذتين {قل أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس} ومعهما {قل هو الله أحد}، فتكثر من قراءة هذه الأذكار والأدعية، تقرؤها في ماء وتشرب من هذا الماء وتغتسل به، وتداوم على هذا حتى يمن الله تعالى عليك بتغير الحال وتحسنه.

ولو استعنت ببعض الثقات الصالحين، المعروفين بمتابعة السنة النبوية، والالتزام بدينهم الصحيح دون دجل وكذب وشعوذة، لو استعنت بواحد من هؤلاء في الرقية الشرعية فإن هذا أيضا مما يجوز لك شرعا، ولكن لو اقتصرت على رقية نفسك بنفسك فإن هذا خير كثير، فالرقية الشرعية دعاء، والدعاء يقبله الله -سبحانه وتعالى- بحسب إقبال قلب الإنسان الداعي، وصاحب المصيبة دائما قلبه أقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- وهو أكثر خشوعا وحضورا عندما يدعو.

فاستعن بالله، وأحسن ظنك بالله، وأكثر من دعائه وذكره، وسيجعل الله تعالى لك فرجا ومخرجا، قد يؤخر الله تعالى أحيانا الشفاء إلى وقت معلوم، ليحقق هذا العبد أنواعا من المصالح والمنافع، لرفعة الدرجات وتكفير السيئات، وبلوغ منازل في الجنة ما كان يبلغها بعمله، فنسأل الله تعالى أن يمن عليك بالعافية ويقدر لك الخير.

والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات