السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله.
أكتب إليكم لأطلب نصيحتكم، وتوجيهكم بخصوص وضعي الحالي، طوال مسيرتي الدراسية كنت معروفة بالتفوق والطموح، وكنت متفوقة في الثانوية، وفي حفظ القرآن الكريم، والحمد لله كنت ملتزمة جدا بديني، لكن مع بداية سنتي الأخيرة في الثانوية العامة، التي تعتبر مصيرية لدخولي الكلية التي حلمت بها، فقدت شغفي بشكل كبير.
أصبحت أعاني من فقدان التركيز والرغبة في الدراسة، وأشعر بالنعاس الشديد كلما حاولت المذاكرة، كما أهملت الجانب الديني، وصرت لا أشعر بلذة أي شيء، ولا القدرة على القيام بشيء حتى الصلاة.
رسبت في امتحانات الفصل الأول؛ مما سبب صدمة لوالدي، وفي الفصل الثاني ازدادت حالتي سوءا، وفقدت الرغبة في أي نشاط نتيجة الصدمة؛ صار كل ما أفعله هو فقط النوم، ولكن ليس بإرادتي، وأعلم أن هذا ليس كسلا؛ لأنني لا قدرة لي، هذا أثر على علاقتي بوالدي وعلى صورتي أمام أساتذتي، وزملائي، ومحيطي عامة؛ حيث انتقلت من كوني قدوة إلى أن ينظر إلي كطالبة ضعيفة.
الآن لم يتبق سوى ثلاثة أشهر على الامتحان النهائي، الذي بدأ الطلاب يحضرون له منذ ستة أشهر، وأشعر أنني أضيع حلمي الذي سعيت إليه سنوات، الآن أنا بين خيارين: الأول فكرت في التوقف والتخلي عن هدفي، وهذا أصعب شيء؛ لأنني صدمت حقا، وأسأل نفسي: لم أنا؟ لأنني حقا لم أتوقع يوما أن أصير على هذه الحال، حتى والدي ومن حولي كان بالنسبة لهم تفوقي حتمي.
ولكن سرعان ما أفكر ماذا لو كان هذا من عمل الشيطان، وسأدرس ما استطعت في الأشهر الثلاثة المتبقية، لكن فرصة دخولي تلك الكلية ضعيفة؛ لأنها تحتاج مجموعا عاليا، ومقاعد محدودة.
الآن أنا تحت صدمة شديدة، أفكر في سبب الحال التي وصلت إليها؛ بعض المرات أقول إنه بلاء من الله، أو ربما عقاب، وأحيانا أقول إن الله لا يكتب لي دخول تلك الكلية، لكنني مدركة لكمية العذاب والألم التي سأعيشها لو لم أنجح في النهائي.
أتمنى منكم إفادتي برأيكم، وشكرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
ابنتي العزيزة: أشعر من كلماتك بصدق الألم والحيرة، وأقدر شجاعتك في طلب النصيحة، فما تمرين به ليس أمرا بسيطا، لكنه أيضا ليس نهاية الطريق، وأنت لم تكوني طالبة عادية، بل كنت متفوقة دراسيا، وطموحة، وحافظة لكتاب الله، وملتزمة بدينك، وهذا التاريخ الطويل من النجاح والإنجاز لا يمكن أن يختفي فجأة، أو يتلاشى بسبب تعثر في عام واحد، بل هو دليل واضح وقاطع على أن القدرة ما زالت موجودة داخلك، وأن إمكانياتك حقيقية وثابتة، والذي تغير ليس قدرتك ولا ذكاؤك، وإنما ضعف الدافع والطاقة والرغبة نتيجة ضغط نفسي شديد، فالإنسان لا يفقد قدراته فجأة، لكنه قد يمر بمرحلة إنهاك تجعله غير قادر على توظيف هذه القدرات كما اعتاد.
وتعد مرحلة الثانوية العامة في مجتمعاتنا مرحلة مصيرية فعلا، ويحمل فيها الطالب فوق طاقته من توقعات الأهل والمقارنات والخوف من ضياع الحلم، وكأنها معركة تحدد كل المستقبل، ولذلك يتعرض كثير من الطلاب خاصة المتفوقين لما يشبه الاحتراق النفسي، فتظهر أعراض مثل: النعاس الشديد، وفقدان الشغف، وضعف التركيز، وعدم الإحساس بلذة أي شيء حتى العبادات، وهذا لا يعني كسلا، ولا ضعف إيمان، بل يعني أن النفس تحملت فوق احتمالها، ورسوبك في الترم الأول، ثم تسرب الوقت في الترم الثاني زاد الحمل النفسي عليك؛ حتى دخلت دائرة إحباط جعلتك تشعرين بالعجز.
لا تفسري ما يحدث على أنه عقاب من الله، أو أن الله لا يريد لك تلك الكلية، ولا تفسري كل الأمر أنه من عمل الشيطان، صحيح أن الشيطان يوسوس باليأس، لكنه لا يصنع الأحداث، وما تمرين به أقرب إلى ضغط نفسي متراكم، وصدمة وإجهاد دراسي يحتاج إلى علاج بالأسباب الواقعية، مع اللجوء إلى الله، فالله سبحانه رحيم لا يعاقب من اجتهد سنوات، وسعى بصدق، وإنما يبتلي أحيانا ليقوي، ويعيد ترتيب الأولويات، ويقرب العبد منه بصورة أعمق.
ما زال أمامك ثلاثة أشهر، وهذه مدة ليست بالقليلة، ويمكن أن تغير النتيجة بشكل كبير إذا وضعت خطة واضحة، وتم استعادة جزء من التوازن النفسي، فلا تقارني نفسك بمن بدؤوا منذ ستة أشهر، قارني نفسك من اليوم إلى الأمام، وفكرة التوقف الآن ستزيد الوضع تعقيدا، وستفتح باب ندم طويل، أما الاستمرار ومحاولة التعويض بمضاعفة الجهد، فهي فكرة تستحق الثناء؛ لأنها تعكس أن في داخلك رغبة لم تمت بعد، وحتى لو لم تحققي النتيجة التي تتمنينها، فإنك ستكسبين احترامك لنفسك؛ لأنك لم تستسلمي.
من الضروري جدا أن تناقشي وضعك الصحي والنفسي مع والديك بصدق وهدوء، أخبريهما أن ما يحدث ليس كسلا، ولا تمردا، وإنما فقدان طاقة حقيقي، وأنك بحاجة إلى دعمهما لا إلى لومهما، وابحثوا معا عن حلول عملية لتعويض ما مضى، وربما تحتاجين إلى فحص طبي للاطمئنان على صحتك، ونظامك الغذائي، أو استشارة مختص نفسي إذا لزم الأمر، ومشاركة والديك في الخطة سيخفف عنك العبء، ويحول الأمر من أزمة فردية إلى مشروع أسري للدعم والمساندة.
أما الجانب الإيماني فلا تجعلي ابتعادك المؤقت سببا لمزيد من الشعور بالذنب، بل اجعليه دافعا لعودة هادئة تدريجية، حافظي على الصلاة ولو بأقل مجهود، واقرئي ما تيسر من القرآن، وأكثري من الدعاء أن يشرح الله صدرك، ويثبتك، ويعينك، فالقرب من الله يمنح طمأنينة داخلية وثقة بأن الأمور بيده، وأن التوفيق منه بعد الأخذ بالأسباب، واطردي الأفكار السلبية التي تهمس لك بأن حلمك انتهى، وضعي أمامك هدف النجاح والإنجاز وتخيلي لحظة ظهور النتيجة، وفرحة والديك، واعتبري هذه الصورة وقودا يدفعك للعمل.
أنت لست طالبة ضعيفة، بل طالبة متفوقة تمر بمرحلة إنهاك، فالقدرة موجودة والوقت موجود، والفرصة موجودة والمتبقي هو استعادة الدافع، والعمل خطوة خطوة، وعدم الاستسلام لليأس، وثقي أن الله لا يضيع تعب من صدق معه، وسعى وأخذ بالأسباب، وأن تعثرك اليوم لا يلغي تميزك، ولا يمنعك من صناعة نجاح جديد بإذن الله.
والله الموفق.