السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالب، عمري 16 سنة، والداي منفصلان منذ 9 سنوات، وأنا أعيش مع أبي، ولكنه يؤذيني نفسيا كثيرا، ويشتمني بأفظع الشتائم، ويقذف أمي، ويطردني من المنزل بدون سبب، أو لأسباب تافهة؛ فمرة طلب مني أن أحضر شيئا من البقالة، فأحضرت شيئا لم يطلبه مني، فطردني وأنا حاف في الشارع، وأحيانا أبيت في الشارع إلى الفجر؛ ولا أستطيع أن أجلس في الجامع من بعد العشاء إلى الفجر؛ لأن الأوقاف متشددة في ذلك.
حاليا أنا أعيش معه، ولكنه غاضب مني، ولم يوافق على بقائي معه إلا لأن أمي كلمته، ويحاربني في أمور الدين! فمثلا لا يريد أن أضبط المنبه للصلاة؛ لأنه يزعجه، ولكنه لا يمنعني، ويتضايق من نزولي للصلوات الخمس، ولكن لا يمنعني.
مع العلم أنه كبير في السن؛ فعمره 64 سنة، وهو مريض نفسي؛ عنده اكتئاب، ودائما يشعر بالتعاسة، ويعيش أسير الماضي، هو بخيل، وأظن أنه جعلني مريضا نفسيا بسبب أفعاله التي لا يحتملها أحد، كما أنه مريض بالسرطان، وأحيانا يدعو علي، ويظن أني السبب في كل المشاكل التي تحدث، ففكرت في الابتعاد عنه؛ كي أبره أفضل؛ فقد أزوره يوما في الأسبوع، وحالتي النفسية جيدة، أفضل من أن أبقى معه ولا أستطيع فعل شيء بنفس القدر.
كما أن أمي تزوجت، وطلقها زوجها ٣ طلقات، ونصحتها، ولكنه مصرة على البقاء معه، فكيف أبرها؟ وكيف أتعامل مع الشخص الذي كان زوجها؟ وكيف أذهب إلى بيتها؟
فكرت في البحث عن عمل يكون فيه سكن، وأكمل حياتي فيه؛ لأني لا أريد أن أجلس معه، ولا معها، ولو جلست مع جدتي فقد أسبب لها ضائقة مالية، فلا بد أن أعمل، وأكسب المال كي أنفق منه على نفسي، فبماذا تنصحوني؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويقوي قلبك، ويكتب لك الأجر على صبرك، ويصلح والدك، ويجعل لك من هذا الضيق سلما للرفعة، لا سببا للانكسار، ودعنا نجيبك من خلال النقاط التالية:
1- ما تعيشه ابتلاء من الله، وهذه طبيعة الحياة، لا تخلو من اختبارات، بعضها يكون داخل البيت نفسه، وبعضها في البدن، وبعضها في العقل، وكل ذلك لحكمة يعلمها الله تعالى.
ومن خلال رسالتك فوالدك رجل كبير في السن، يعاني من مرض عضوي خطير، ومعه أعراض نفسية، واكتئاب، وتراكمات عمر طويلة، وهذه العوامل مجتمعة تغير سلوك الإنسان، وتجعله حادا، سريع الغضب، قليل الاحتمال، شديد الحساسية، وحين تفهم أن كثيرا من تصرفاته نابعة من مرضه، وتعبه الداخلي، يخف حملها عن صدرك.
2- بقاؤك معه في هذه المرحلة –رغم صعوبته– هو الخيار الأرجح، والأصلح لك وله؛ فهو في هذا العمر، ومع المرض أحوج ما يكون إلى ابنه، حتى لو لم يظهر ذلك، وجودك بجانبه استقرار له، وسند نفسي لا يشعر به ربما، لكنه موجود، وأنت أيضا وجودك تحت سقف معروف، مع تنظيم نفسك، وتقليل الاحتكاك، أكثر أمانا من خروج مبكر قد يعرضك لظروف أصعب.
3- بر الوالدين يا بني باب عظيم للأجر، وخاصة حين يكون الوالد صعب الطبع، أو مريضا، والله قال: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾، والرحمة هنا ليست شعورا فقط، بل صبر عملي، ولين كلام، وتجنب للمجادلة، وتغافل عن كثير من الكلمات، وقد يكون برك في هذه الظروف أعظم عند الله من بر من يعيش في بيت هادئ.
4- لا تدخل في صدام مباشر مع والدك، بل خفف الاحتكاك دون أن تقطع العلاقة؛ فإذا كان يغضب سريعا، فتجنب مناقشته وقت الغضب، وأجل أي كلام مهم إلى وقت هدوئه، نفذ ما يطلبه بقدر الاستطاعة، ولا تحاول تصحيح كل عبارة، أو الرد على كل إساءة؛ فأحيانا تمرير الموقف حكمة، وليس ضعفا.
5- في شأن الصلاة والالتزام: اجعل تدينك هادئا لا صداميا؛ فإذا كان ينزعج من صوت المنبه، فاضبطه على الاهتزاز، أو نم مبكرا لتستيقظ طبيعيا، ولا تجعل أداءك للعبادات سببا للاحتكاك، بل اجعله منظما بلا ضجيج، تدينك قوة داخلية، وليس معركة يومية.
6- لا تتعجل فكرة الاستقلال أو الخروج من البيت بدافع الضيق؛ فعمرك ستة عشر عاما، وأهم ما تملكه الآن هو مستقبلك الدراسي، الخروج المبكر من أجل الهروب قد يحملك أعباء أكبر مما تتصور.
7- أمك تبرها بالاتصال، والسؤال، والدعاء، والزيارة إذا أمكن، دون أن تجعل نفسك طرفا في مشاكلها، أو مشاكل زوجها، لا تدخل في صراعات الكبار؛ فهذه لا طاقة لك بها، وهدوؤك واتزانك هو خير ما تقدمه لها.
8- اجعل لك صحبة صالحة في المسجد أو المدرسة، تحدث مع معلم تثق به، أو شيخا حكيما، لا تحمل كل شيء لوحدك، اقرأ، خطط لمستقبلك، تعلم مهارة نافعة، اجعل لك هدفا واضحا تسير نحوه.
9- لا تجعل كلمات والدك عائقا لك عن بره؛ فأنت لست سبب مرضه، ولا سبب مشاكله، ولا سبب ماضيه، لكن بعض الناس حين يمرضون أو يضعفون يلقون ثقلهم على أقرب الناس، لكن هذا لا يعني أن الاتهام صحيح، وثقتك بنفسك يجب أن تبنى على واقعك واجتهادك، لا على لحظة غضب.
10- انظر للصورة الكبرى؛ فقد يكون وجودك بجانبه الآن سببا في لين قلبه لاحقا، أو في تخفيف وحدته، أو في دعوة صادقة منه لك في ساعة صفاء، أحيانا يختار الله لبعض الأبناء أدوارا صعبة، لكنها تصنع منهم رجالا أقوى، وأعمق، وأقرب إليه.
وفي الختام: اصبر واحتسب، وكن هادئا حكيما، ولا تجعل لحظة غضب تقرر مستقبلك كله، بقاؤك الآن مع والدك، مع ضبط النفس وتقليل الاحتكاك، وتنظيم حياتك، هو الخيار الأرجح.
نسأل الله أن يشفي والدك، ويشرح صدره، ويكتب لك توفيقا وسعة، ويجعل لك من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، والله الموفق.