السؤال
السلام عليكم ورحمة الله
أنا شاب عمري 31 سنة من قرية، ومقبل على الزواج، وقد خطبت بنتا من اختيار أمي، وذلك منذ شهر ونصف، لأنني خطبت عند أناس كثر وتم الرفض، رغم أني أصلي -والحمد لله-، وأحوالي المادية -إلى حد ما- جيدة، ربما يكون الرفض لأن سني كبير أو غير ذلك، لا أعرف بصراحة.
عندي تردد كبير جدا في الإكمال؛ لأن من خطبتها لا ترضيني تماما، لا من حيث نسبة جمالها، ولا روحها، ولا جسمها بصراحة، وخاصة أنها تميل إلى السمنة، وأنا أحب النحافة وأكره السمنة جدا.
ولكن لا أستطيع ترك الخطبة لسببين:
الأول: أن أمي ستحزن، وخاصة أنها أصيبت مرتين من قبل بجلطة بسبب الحزن، وعدم زواجي حتى الآن، وقبلي إخوتي -أربعة شباب- أصغر مني في سن الزواج أيضا، وأنا الأكبر فسأكون سببا في تعطيلهم.
والثاني: أني أخاف من البحث مرة أخرى، ولا أجد، والسن يكبر والموضوع يصعب، وخاصة أني خطبت قبل ذلك أيضا بنفس الطريقة، وتركت البنت؛ لأنني لم أقتنع بجمالها، ولم أرتضيها، فأنا أشعر أن الموضوع يتكرر بالحرف.
والمشكلة أني أخاف أن أكمل فأظلمها وأظلم نفسي، لأنها فعلا لا ترضيني تماما، لأنه لا توجد أي صفة فيها من التي أريدها، وخاصة أني أعمل في مجال السياحة، فيمر أمامي نساء كثر، وكنت أتمنى أن آخذ واحدة أقتنع بها، ونسبة جمالها ترضيني كي أتعفف، وللأسف التي معي لا ترضيني شكلا ولا روحا ولا جسما.
لدرجة أني أقول إني سأتزوج فقط لأمشي الدنيا، وقد أطلق بعد ذلك، وسيكون الموضوع بعد الطلاق أسهل في الاختيار.
ممكن تساعدوني ماذا أفعل؟ لأني أشعر أني لو أكملت سأظلم نفسي وقد أقع في الحرام، بسبب عدم اقتناعي بها، ولو تركتها أخاف من السببين الذين ذكرتهما سابقا.
أفيدوني أفادكم الله.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أول ما أطمئنك به: ترددك دليل أنك لا تريد ظلما، لا لنفسك ولا للفتاة، وهذه نقطة قوة فيك لا ضعف، لكن دعنا نضع الأمور في نصابها الشرعي والعقلي بهدوء.
أنت مقبل على زواج، والزواج في شرعنا ليس خطوة اجتماعية لإرضاء الناس، ولا حلا إسعافيا لتهدئة أم قلقة، بل هو ميثاق غليظ، كما سماه الله تعالى، والميثاق الغليظ لا يدخل إليه الإنسان بنية التجربة، أو احتمال الطلاق لاحقا لتسهيل الاختيار.
قولك: "أتزوج وأمشي الدنيا، ولو حصل طلاق بعد ذلك يكون أسهل" هذه فكرة خطيرة شرعا وأخلاقا، الدخول في الزواج وأنت متوقع الانفصال يفرغ العقد من معناه، ويعرض فتاة لمصير لم تختره، وهذا من الظلم الذي نهى الله تعالى عنه، قال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، والمعروف لا يبدأ بخداع نية.
أما مسألة الجمال، فكن مطمئنا: الشرع لم يلغها، لقد قال النبي ﷺ: انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما، أي أن النظر والقبول سبب لاستمرار المودة، فالقبول مطلوب، والانجذاب قدر معتبر؛ لأن الزواج علاقة دائمة لا تحتمل نفورا دائما.
لكن هنا سؤال جوهري: هل مشكلتك عدم قبول حقيقي، أم أنك تقيسها بصورة مثالية عالية تشكلت عندك بسبب طبيعة عملك وكثرة ما ترى؟ فإن من يعمل في مجال يمر عليه فيه نساء كثيرات، إن لم يضبط بصره وقلبه؛ قد ترتفع معاييره بصورة غير واقعية، فيبقى يبحث عن الأكمل، ولا يرضى بالموجود. والنبي ﷺ حذر من إطلاق النظر، فقال لعلي رضي الله عنه: لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة، لأن التكرار يصنع مقارنة، والمقارنة تقتل القناعة.
فإن كان النفور داخلك شديدا وصريحا، ولا ترى أي قدر من القبول، فهنا الأمانة ألا تكمل في مشروع الزواج؛ لأن الزواج مع نفور حقيقي يتحول غالبا إلى فتور، ثم إلى جفاء، ثم إلى ظلم، أما إن كان الأمر مجرد أن الصورة ليست مطابقة لما رسمته في ذهنك، لكن لا يوجد نفور حاد، فهنا تحتاج مراجعة نفسك، لا تترك الفتاة، خاصة إن ارتضيتها دينا وخلقا، وارتضيت أهلها وطباعهم.
أما ضغط الوالدة، فاعلم بداية أن برها واجب عظيم، كما قال تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾، لكن الطاعة في الزواج ليست مطلقة؛ إذا كان القرار سيؤدي إلى ضرر بين عليك أو على الفتاة، يمكنك أن تبر أمك باللطف والشرح والاحتواء، لا بأن تدخل زواجا وأنت غير مقتنع؛ لأنك إن تعبت بعد ذلك، ستتأذى هي أيضا، وربما يكون ألمها أشد، وهنا يجدر بك الجلوس مع الوالدة بهدوء، وشرح وجهة نظرك، وتوسيط أقرب الناس إليها للحديث معها وتقريب وجهات النظر، قطعا ستصلان لحل.
أما خوفك من السن والرفض السابق، فاعلم أن 31 سنة ليست نهاية الطريق، الرزق -ومنه الزوجة- بيد الله تعالى، والمولى سبحانه يقول: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ والتعجل خوفا من المستقبل قد يوقعك في اختيار لا يناسبك، ثم تدفع ثمنه سنوات.
إذن ماذا تفعل عمليا؟
أولا: اسأل نفسك بصدق وهدوء: لو لم يكن هناك ضغط من أمك، هل كنت سأكمل؟ إن كانت الإجابة الواضحة: لا، فلا تظلمها، واقطع الأمر الآن قبل العقد وتفاقم الأمور.
ثانيا: إن قررت التفكير في الإكمال، فامنح نفسك فترة اختبار واقعية:
– حاول أن تنظر لما عندها من دين وخلق.
– تحدث معها في إطار شرعي لترى روحها لا شكلها فقط.
– توقف عن المقارنات في عملك، واضبط نظرك، فالقلب الذي يعتاد التنقل لا يثبت على أحد.
ثالثا: أكثر من الاستخارة بصدق لا تجربة، قل: “اللهم إن كانت خيرا لي في ديني ودنياي فاقدرها لي، وإن لم تكن فاصرفني عنها واصرفها عني”، ثم راقب قلبك، فإن وجدت انشراحا فامض، وإن بقي الضيق فاعتبره رسالة لك بالترك.
رابعا: لا تجعل العفة مربوطة بمستوى جمال الزوجة فقط، العفة تبدأ من تقوى الله تعالى، قال تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا﴾، فالأصل أن تضبط نفسك لله سبحانه، لا أن تجعل ضبطها متوقفا على مواصفات معينة.
الخلاصة الواضحة لك:
– إن كان هناك نفور حقيقي لا تستطيع تجاوزه، فالشجاعة أن تنهي الآن قبل أن تظلمها.
– وإن كان الأمر صورة مثالية في ذهنك يمكن تهذيبها، فراجع نفسك واضبط بصرك وأعد تقييمها بميزان الدين والخلق.
– لا تتزوج خوفا من السن.
– ولا تتزوج فقط لإرضاء أحد.
– ولا تدخل الزواج بنية طلاق محتمل؛ الزواج سكن، والسكن لا يبنى على اضطراب.
أسأل الله تعالى أن يكتب لك الخير حيث كان، وأن يرزقك زوجة تقر بها عينك، ويرزقك قلبا قانعا لا تفسده المقارنات، وقرارا لا تندم عليه.