بعد الطلاق ينتابني الندم واللوم على قبول هذا الزواج...فما نصيحتكم؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لقد قمت باستشارتكم الشهر السابق بموضوع طلاقي الذي حصل خلال 3 أشهر فقط، من زوج اختارني بكامل إرادته، عالم بهيئتي وشخصيتي لمدة سنة قبل الزواج. كنا نخرج معا، ويجلس معي في منزل أهلي، ونتكلم على الهاتف، طلقني للأسف بحجة الخبرة القليلة بالحياة، وأني نحيفة، ويراني بأني أخت لا زوجة.

وقد سألني المستشار في الرد المرة السابقة إن كان طليقي يصلي ويتعبد، فالإجابة: نعم، هو يصلي، ولكن أرى أن زواجه مني كان لعبة أو مزحة، ولم يخف الله في؛ فقد طلبت منه أن يعطي هذا الزواج حقه، كما أني لم أخطئ في حقه، ولكنه رفض، وقال لي: سأظلمك إن بقيت معي، وطبعا لا أعلم حتى الآن إن كانت هذه كلها مجرد أعذار واهية أم حقيقة؟

أنا اليوم، وفي شهر رمضان بحاجة إلى استشارة دينية، وربما نفسية، أو أسرية، أرجو جوابا أدرك على يقين أن هذا كله من القدر، ولا ألوم نفسي في شيء.

أنا أعيش حالة: لو فعلت كذا، لو قلت كذا، لو تصرفت كذا، ربما أزعجته عندما فعلت كذا... هذه الحالة أعيشها كل يوم، حتى إني بدأت أتمنى لو أني طلبت مؤخرا كبيرا أستمتع به، بدأت حتى هذه النقطة تسيطر على فكري كل يوم، وأقول لو، ولماذا لم أفعل كباقي النساء، وطلبت مبلغا جيدا كمؤخر الصداق يشفي غليلي، وخاصة أني وثقت به، وبحبه، واخترته فقط لأكمل حياتي معه من دون التفكير بالمادة أبدا؟!

فهل هذا قدري؟ حتى لو كنت المرأة المثالية في البيت وخارج البيت، هل هذا قدري؟ حتى لو كان جسدي بشكل آخر؟ هل هذا قدر من الله أن أتزوج فلانا وأنفصل عنه خلال أشهر، وأكون الطرف الحزين المكسور والخاسر؟ هل أخطأت أو قصرت في العبادة فكان عقابي الطلاق؟ وإن لم أقصر هل كان علي أن أستمر في الزواج؟ وهل قدري هذا لحكمة أو سبب من دون ربط ما حصل بسبب تقصير في الطاعات؟

هل المؤخر الذي طلبته أيضا كان رزقي من هذا الزواج، من دون زيادة أو نقصان؟ هل هذا ما كتبه الله لي سواء كنت ملاكا لا يذنب ولا يقصر، أو إنسانا قصر؟ هل زواج قصير كهذا له حكمة عند رب العباد حتى لو كنت أتألم وهو يضحك؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ آية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يربط على قلبك، وأن يجبر كسرك، وأن يجعل هذا الشهر باب سكينة لا باب حيرة، وأن يكتب لك الرضا بعد الألم، والنور بعد الضيق.

ودعينا نجيبك من خلال ما يلي:

1- أول ما يجب أن يثبت في قلبك يقينا لا يتزحزح أن ما حدث لك ليس عقوبة، ولا علامة نقص فيك، وليس دليلا على أنك أخطأت في العبادة، أو قصرت في الطاعة؛ فالطلاق يقع على الصالحات كما يقع على غيرهن، ويقع على الفاضلات كما يقع على المقصرات؛ لأنه ليس معادلة حسابية بين الطاعة والمصير الدنيوي، فقد يبتلي الله من يحب، وقد يصرف عنك شيئا وأنت ترينه خيرا؛ لأنه في علمه ليس كذلك.

2- قولك: هل هذا قدري حتى لو كنت مثالية؟ نعم، هذا قدرك وهو الخير لك لا محالة، هذا قدرك حتى لو كنت في أعلى درجات الإحسان؛ لأن القدر لا يبنى فقط على كفاءة الإنسان، بل على شبكة معقدة من اختيارات الآخرين، ونضجهم، وقدرتهم على تحمل المسؤولية.

ربما كان هو غير ناضج كفاية، وربما اكتشف في نفسه عجزا عن القيام بدور الزوج، وربما كان صادقا حين قال إنه سيظلمك لو بقي، حتى لو بدا كلامه مؤلما، فأحيانا ينسحب الإنسان لأنه غير مستعد، لا لأن الطرف الآخر سيئ.

3- أفكار "لو فعلت كذا، ولو قلت كذا،.." هي مرحلة طبيعية بعد أي فراق مفاجئ؛ لأنها محاولة من العقل لاستعادة السيطرة؛ فحين لا نجد تفسيرا مقنعا نبدأ بإعادة كتابة القصة لنبحث عن خطأ يمكن إصلاحه، لكن الحقيقة أن بعض القصص لا تفشل بسبب كلمة أو موقف، بل لأنها لم تكن متجذرة من الأساس؛ فالزواج الذي ينهار خلال أشهر غالبا لم يكن مبنيا على أساس صحيح من الطرف الآخر، مهما بدا خارجيا متماسكا.

4- مسألة نحافتك أو قلة خبرتك بالحياة ليست أسبابا موضوعية كافية لإنهاء زواج بعد ثلاثة أشهر، بل هي تعبيرات غالبا تخفي شيئا آخر: ربما تصوره المثالي عن الزوجة كان غير واقعي، ربما كان يتوقع مشاعر معينة لم يجدها، ربما دخل الزواج بدافع عاطفي لا بدافع نضج، وكل هذه احتمالات لا علاقة لها بقيمتك أنت.

5- فكرة المؤخر التي بدأت تسيطر على ذهنك ليست رغبة في المال بقدر ما هي رغبة في تعويض نفسي، كأن عقلك يقول: على الأقل لو أخذت شيئا ماديا أشعر أنني لم أخسر كل شيء. هذا شعور مفهوم، لكنه لا يغير شيئا في جوهر التجربة؛ فالمؤخر رزقك الذي كتب لك، لا يزيد بندم، ولا ينقص بحسرة، وما لم تطلبيه لم يكن مكتوبا لك.

6- سؤالك العميق: هل هذا كله كتب لي سواء كنت ملاكا أو مقصرة؟ نقول: نعم، ما وقع هو قدر الله بعلمه السابق، لكن هذا لا يعني أن الله عاقبك؛ فالقدر ليس دائما جزاء، بل أحيانا حماية، فربما لو استمر الزواج سنوات لاكتشفت جانبا أشد قسوة، وربما كان الفراق المبكر لطفا إلهيا رغم مرارته.

7- لا تربطي الطلاق بمستوى عبادتك؛ فالله لا يعامل عباده بهذا الشكل الحسابي المباشر، وإلا لما ابتلي الأنبياء وهم أصفى الخلق، البلاء قد يكون رفعا للدرجة، وقد يكون تصحيحا للمسار، وقد يكون كشفا مبكرا لحقيقة شخص قبل أن تتجذري معه أكثر.

8- الألم الذي تعيشينه لا يعني أنك الخاسرة؛ فأحيانا من يضحك اليوم يواجه غدا نتائج اختياراته، ومن يتألم اليوم يخرج أقوى وأنضج، القيمة ليست في استمرار العلاقة، بل في سلامتك الداخلية بعد انتهائها.

9- لا تجلدي نفسك ولا تعيدي محاكمة كل كلمة قلتها؛ فلو كان الزواج قائما على نضج حقيقي لما أسقطته كلمة عابرة، أو تصرف عفوي، الزواج القابل للكسر السريع لم يكن ثابتا من الأساس.

10- حكمة الله لا تقاس بلحظة، بل بمسار كامل، ربما هذا الزواج القصير كان درسا لك في قراءة الرجال، أو كشفا مبكرا لصفات لم تنتبهي لها، أو حفظا لك من سنوات أطول من الألم، الحكمة قد تتضح بعد زمن، لا في ذروة الجرح.

وفي الختام: ما حدث لك قدر الله، لا عقوبة، ولا انتقاصا من قيمتك، ولا دليلا على تقصيرك، رزقك لم ينقص، وكرامتك لم تمس، وما لم يكتب لك لن يناله أحد غيرك.

نسأل الله أن يبدل حزنك طمأنينة، وأن يرزقك زوجا يقدرك حق قدرك، ويعوضك عن كل لحظة شك وألم، وأن يملأ قلبك يقينا بأن اختيار الله لك خير من اختيارك لنفسك، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات