السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لدي سؤال يقلقني، وأمر أفعله يجعلني لا أنام بسبب تأنيب ضميري، والخوف من غضب الله.
لدي أخوان أصغر مني، ليسا قريبين من الله، ويقطعان الصلاة بين الحين والآخر، ويعصيان أمي، ويعاملانها بطريقة سيئة بين الحين والآخر، مع أن أمي لطيفة جدا، وحنونة جدا، وهذا ما يغضبني، ويجعلني دائما أتناقش معهما، وأتشاجر معهما حتى في رمضان، فتغضب أمي مني، وتطلب مني أن لا أتدخل، وتقف في صفهما، وتدافع عنهما، مما يجعلني أغلب الوقت أتشاجر معها على هذا الموضوع.
وعندما تغضب مني أغضب، وأتحدث معها بنبرة غضب وانزعاج وليس صراخا، وبينما نحن نتشاجر تخبرني أن هذا يجرحها ويحزنها؛ لأنها لا تتحمل سماع شيء عن ولديها، مما يجعل ضميري يؤنبني، وقلبي يؤلمني، وأحيانا أعتذر منها؛ فأنا أحبها، ولا أطيق أي شيء يصيبها، وأحاول دائما أن أعينها وأبرها.
فهل أكون بذلك قد دخلت ضمن عقوق الوالدين، وهل هذا الفعل سيعود بالسلب على دراستي، فلا أوفق فيها ولا في حياتي؟ وكيف أتوقف عن هذا الفعل؟ وأكبح غضبي وانزعاجي؟
وشكرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
ابنتي الكريمة: أقرأ كلماتك وكأنها تحمل قلبين في صدرك لا قلبا واحدا؛ قلب يغار على دين أخويه، ويتألم لتقصيرهما، وقلب محب لأمه، لا يحتمل أن يراها حزينة أو مجروحة، ولهذا تتعبين، لأنك تحاولين أن تجمعي بين الأمرين، لكن بطريقة تتعبك وتؤلم من تحبين دون أن تشعري.
أول ما أطمئنك به: أنت لست عاقة -بإذن الله تعالى-؛ فالعقوق ليس مجرد نقاش، أو انفعال عابر، وإنما هو تعمد الإيذاء والاستخفاف، وأنت في كل ما ذكرته يظهر منك ندم، وتألم، وحرص، وهذا في حد ذاته علامة خير، لكن في المقابل لا بد أن تنتبهي إلى أن نبرة الغضب مع الوالدة –حتى لو لم يكن فيها صراخ– قد تجرحها، وقد نهى الله تعالى عن كل ما يؤذي الوالدين، ولو كان خفيفا، فقال سبحانه: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾، فكيف بما هو أشد من ذلك في الإحساس، وإن كان بدافع الغيرة والحرص.
يا ابنتي: الذي يحدث معك ليس لأنك مخطئة في أصل غيرتك، بل لأنك تحاولين إصلاح الخطأ بطريقة تولد ألما أكبر؛ فأمك تتألم من تصرفات إخوانك، ثم تتألم مرة أخرى من النقاش الحاد بينهما وبينك، وهي حين تدافع عنهما لا تفعل ذلك لأنها ترى أنهما على صواب، بل لأن قلب الأم لا يحتمل أن يرى أبناءه في صدام، فيغلبها الاحتواء، ولو على حساب الحق الظاهر، ولهذا تجدينها تطلب منك التوقف عن التدخل؛ لأنها تريد حفظ هدوء البيت، لا لأنها راضية عن التقصير.
هنا تحتاجين لتغيير زاوية التعامل، لا نية الإصلاح؛ فالهداية ليست بيدك مهما أحببت، وقد قال الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، ودورك الحقيقي هو التذكير بلطف، والدعاء، وأن تكوني قدوة، لا أن تحملي نفسك مسؤولية تغييرهما بالقوة؛ لأن هذا سيستنزفك نفسيا ويدخلك في صدام دائم.
جربي أن تنقلي حواراتك مع أخويك خارج إطار المواجهة أمام الأم؛ فالنقاش أمامها يزيد توترها، ويشعرها أنها بين طرفين، بينما الحديث الفردي الهادئ يفتح باب التأثير أكثر، وبدل أسلوب اللوم المباشر حاولي أن تتكلمي بلغة القلب: خوفك عليهما، حبك لهما، رغبتك أن يكونا أقرب إلى الله تعالى؛ فالنفس تنغلق مع التوبيخ، وتلين مع الصدق والرفق، وقد قال النبي ﷺ: ما كان الرفق في شيء إلا زانه.
أما مع والدتك: فتحتاجين جلسة هادئة خالية من التوتر، لا في وقت مشكلة، تعبرين فيها عن حبك، واعتذارك دون تبرير، قولي لها إنك تتألمين لأجلها، لكنك أدركت أن أسلوبك كان يجرحها، وإنك حريصة على برها أكثر من أي شيء، هذه الكلمات البسيطة تعيد ترميم ما تكسر دون أن تشعري، وستجدين أن قلبها يلين لك؛ لأن الأم لا تريد الكمال من ابنتها بقدر ما تريد شعور الاحتواء والاحترام.
وإذا شعرت أن الغضب بدأ يتصاعد داخلك، فاعتبري هذه إشارة انسحاب لا مواجهة؛ فاسكتي، وغيري مكانك، وتوضئي؛ لأن لحظة الانفعال هي التي تندمين عليها بعد ذلك، والنبي ﷺ أوصى بقوله: إذا غضبت فاسكت. أخرجه أحمد.
ولا تنسي أن التأثير غير المباشر أعمق من الصدام؛ كلمة طيبة، موقف حسن، تشغيل قرآن في البيت، دعاء صادق في الخفاء، كلها أبواب تغيير لا تشعرين بنتائجها فورا، لكنها تتراكم حتى تصنع فرقا.
أما خوفك أن يؤثر ما يحدث على دراستك، أو أن يكون عقوبة من الله تعالى، فاطمئني؛ فالله سبحانه لا يضيع قلبا صادقا يخافه ويعود إليه، وما دمت تجاهدين نفسك، وتحاولين الإصلاح، فأنت على خير، بل هذا القلق الذي يدفعك للمراجعة هو طريق التوفيق -بإذن الله تعالى-.
خلاصة الأمر يا ابنتي: أنت صاحبة قلب حي، لكنك تحتاجين أن تنتقلي من أسلوب الصدام إلى أسلوب التأثير، وأن تقدمي بر أمك وراحة قلبها، وتتركي ما لا تملكين تغييره لله تعالى، الذي بيده مفاتيح القلوب، ومع الوقت سترين أن الأمور تهدأ، وأن أثرك يصبح أعمق دون أن تخسري أحدا.
أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويقر عينك بصلاح إخوانك، ويجعلك مفتاح خير في بيتك، دون أن تكوني سبب ألم لمن تحبين.
والله الموفق.