السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب في الفرقة الرابعة بكلية القرآن الكريم بجامعة الأزهر الشريف، أخطب الجمعة منذ عام 2022، وبفضل الله أتحدث بطلاقة أمام الجمهور، ومع المقربين مني.
خطبت ابنة عمي، وهي فتاة متدينة، تحفظ القرآن الكريم -انقطعت عنه حاليا-، ورغم صلة القرابة إلا أنه لم يكن هناك اختلاط سابق بين الأسرتين.
مشكلتي تكمن في "الصمت المطبق" حين أريد أن أحادثها، بحضور الأهل أو هاتفيا، رغم أننا طبيعيان جدا في وجود الأهل.
الجميع ينصحني بكثرة التواصل لزيادة التعلق، ونحن لا نمانع الحديث في حدود الشرع، بل إننا اتفقنا على أن تسمع لي وردها القرآني يوميا، لكن المكالمة تنتهي بانتهاء التسميع.
أشعر برهبة وغياب للمواضيع، وأنا لست اجتماعيا بطبعي إلا مع من ألفته، فكيف أكسر هذا الحاجز؟ وهل هناك كتب أو قصص يمكن أن نتشارك قراءتها، لتكون جسرا للحوار بيننا؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ إبراهيم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تعاني مما يمكن تسميته حاجز الألفة مع مخطوبتك، وهو أمر طبيعي جدا يمر به كثير من الخطاب، بل إنه قد يكون دليلا على أصالة الفطرة، وصون النفس من الاسترسال غير المحسوب، ولعل في ذلك خيرا لم تدركه بعد، إذ إن البنيان الذي يشاد ببطء يكون أمتن وأرسخ.
ومما يلفت الانتباه في رسالتك أنك خطيب جمعة، يتحدث أمام المئات بطلاقة، لكنك تصمت أمام شخص واحد تربطك به رابطة المودة، وهذا ليس تناقضا بل هو دليل على شيء نفسي دقيق: فالخطابة الدينية تعمل في منطقة الواجب والأداء، بينما التواصل العاطفي يعمل في منطقة الضعف والانكشاف، وهذه الأخيرة تحتاج تدريبا من نوع مختلف.
إن مؤسسة الزواج في الإسلام لا تقوم على الإعجاب فحسب، بل على ما سماه القرآن الكريم المودة والرحمة، قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ (الروم: 21)، والسكينة والمودة لا تنبثق من الصمت وحده، ولا تولد دفعة واحدة، بل هي حرث يومي بالكلمة الطيبة، والاهتمام الصادق، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مثالا رفيعا في التواصل مع أهله، فكان يسابق عائشة -رضي الله عنها-، ويستمع لحديثها عن الجواري في العيد، ويمازحها بالكنية يا عائش، حتى قالت: كان "أفضل الناس خلقا".
أخي الكريم: الخطبة التي أنت فيها الآن ليست زواجا، بل هي وعد بالزواج فحسب، وشتان بين الأمرين. فمن الناحية الشرعية، المخطوبة لا تزال أجنبية عنك، ولا تحل الخلوة بها، ولا السفر معها، ولا تجب لها النفقة، ولا يثبت الميراث بينكما. وفسخ الخطبة يسمى عدولا لا طلاقا، ويحق لأي طرف التراجع في أي وقت، دون أي إجراء شرعي أو قانوني، ودون أن تترتب عليه أحكام العدة.
أما العقد الشرعي فهو الزواج نفسه، وهو الميثاق الغليظ الذي قال الله فيه: ﴿وأخذن منكم ميثاقا غليظا﴾ (النساء: 21)، وبمجرد توقيع العقد يصبح الطرفان زوجا وزوجة شرعا وقانونا، وتترتب على ذلك كافة الحقوق والواجبات من مهر، ونفقة، وإرث، وحق في الخلوة والمعاشرة، ولكن يراعى في المعاشرة بالطبع أعراف المجتمع، والتي تمكنك منها بعد الزفاف.
لماذا هذا الفارق مهم لك تحديدا؟
لأن ما ينصحك به المحيطون من كثرة التواصل لزيادة التعلق ينطلق من حسن النية، لكنه يغفل عن حقيقة شرعية مهمة: بناء تعلق عاطفي عميق في مرحلة الخطبة محفوف بمخاطر حقيقية؛ فالخطبة قابلة للفسخ في أي وقت، ولأي سبب، وكلما زاد التعلق العاطفي كان الأذى النفسي عند الفسخ أشد، وقد رأينا كثيرا ممن عانوا من آثار نفسية بالغة؛ جراء فسخ خطبة بعد أن بنيا عليها عالما عاطفيا متكاملا.
فضلا عن أن الاسترسال في التواصل الهاتفي، قد يفتح أبوابا من الحديث لا تنضبط دائما بضوابط الشرع، وهو ما يجعل الصمت الذي تشكو منه في حقيقته حارسا للفطرة لا عائقا أمام التواصل.
ما الموقف العملي إذن؟ عليك بالتالي في مرحلة الخطبة:
أولا: التواصل بقدر الحاجة لا الاسترسال، ويكفي في هذه المرحلة ما يتيح لكل منكما التعرف على شخصية الآخر، وقيمه، وتوقعاته من الحياة المشتركة، وذلك بحضور الأهل، أو في إطار منضبط، أما التسميع القرآني اليومي الذي اتفقتما عليه فهو خير ما يكون، لكن إن انتهت المكالمة بانتهائه فذلك صواب لا خطأ.
ثانيا: وجه طاقتك نحو إتمام العقد، والهدف في هذه المرحلة ليس بناء ألفة عاطفية، بل هو التأكد من التوافق في المبادئ والقيم والتوقعات، ثم السعي لإتمام العقد الشرعي في أقرب وقت ممكن، وعليك بمحادثة أهلك وأهلها لتسريع الخطوات العملية نحو العقد.
ثالثا: بعد العقد الذي يسبق حفلة الفرح تبدأ مرحلة مختلفة تماما؛ عندئذ يحق لكما بناء التواصل، والتعلق، والألفة بكل حرية ضمن حدود الله، وهناك يمكن الحديث عن الكتب المشتركة والبرامج التي تجمعكما، وكل ما سألت عنه.
الصمت الذي تشعر به أمامها ليس نقصا في شخصيتك، فأنت خطيب جمعة تتحدث أمام المئات، والفرق بين المقامين واضح.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يجمعكما على خير وبركة في الوقت الذي يراه سبحانه، وأن يهديك سواء السبيل.