هل أكرر الخطبة بعد رفض والد الفتاة؛ لأنه يريد تزويجها لابن أخيه؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب ملتزم بصلاتي وصيامي وديني، وبعيد كل البعد عن مشكلات المجتمع، لأنني أجتهد في حفظ القرآن، وأعمل، ومستقر ماديا ولله الحمد، وأعيش بعيدا عن أهلي منذ عشر سنوات.

تقدمت لخطبة ابنة جارنا، لأنني أعلم سمعة أبيها وأخيها، وكنت قبل سفري مقربا منهم جدا، تقدمت لخطبتها، لكن والدها رفضني، واستمر تواصلها مع أختي، وأخبرت أختي بأن ابن عمها جاء لخطبتها، وهي لا تريده، لكن والدها يحاول إجبارها بطريقة ملتوية، وتقول لأختي إنها تريد الزواج بي.

عندما علم والدها بهذا الكلام، حلف أنه لو بقيت آخر رجل في الدنيا فلن يزوجني ابنته، وأنا أريدها زوجة، فهل هناك طريقة أو حل يمكنني من خلاله التفاهم مع والدها؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مهند. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أول ما يلفت في كلامك أنك شاب مستقيم، مجتهد في حفظ القرآن، عامل على نفسك، بعيد عن الفتن، وهذا فضل من الله تعالى تحمد عليه، فاثبت عليه، فإن أعظم ما يزين به الرجل أمام الناس وأمام أهل أي فتاة هو دينه وخلقه، قال ﷺ: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، وهذا ميزان شرعي واضح.

والآن دعنا ننظر إلى المسألة بهدوء وعقل متزن، فأولا الأصل في النكاح رضا الطرفين، قال ﷺ: لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن، فلا يجوز شرعا إكراهها على من لا تريد، كما لا يبنى الزواج على عناد أو تحد بين الرجال.

ثانيا: للأب ولاية معتبرة شرعا، لكن هذه الولاية مقيدة بالمصلحة، لا بالهوى ولا بالانتقام، فإن كان رفضه لك لأسباب موضوعية: (سكنا، بعدا، استقرارا، اختلاف بيئة)، فهذا باب يناقش، أما إن كان رفضه لمجرد خصومة أو تعصب أو موقف شخصي، فهذا يسمى في الفقه عضلا، والله تعالى قال: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف}.

لكن قبل أن نصل لأي حكم، نحتاج فهما، فهناك عدة احتمالات ينبغي أن تضعها أمامك بواقعية، فربما والدها يرى أنك بعيد عن البلد منذ عشر سنوات ويخشى عليها الغربة، أو ربما يخاف من انقطاعها عن أهلها، أو ربما لديه التزام عائلي تجاه ابن عمها، وربما تأثر بكلام أو انطباع سابق لم تنتبه له، فالحل لا يكون بالتصعيد، بل بالفهم.

أما تواصل الفتاة مع أختك وقولها إنها تريدك، فهنا تنبيه مهم لك بأن لا تدخل نفسك في دائرة عاطفية غير منضبطة، فما دامت ليست في عصمتك، فالواجب إغلاق باب التواصل غير الرسمي، حتى لا يتحول الأمر إلى فتنة أو ضغط عليها، فالأمور تدار عبر الأولياء لا عبر الرسائل والوسائط.

والآن ماذا تفعل عمليا؟

أولا: لا تتواصل أنت معها مباشرة، ولا تجعل أختك تكون قناة ضغط، بل أغلق هذا الباب بلطف، وقل: الأمر عند وليها.

ثانيا: اطلب جلسة رسمية هادئة مع والدها، ليست جلسة عتاب، بل جلسة استيضاح، وقل له: "جئتكم طالبا بالحلال، فإن كان عندكم علي ملاحظة فدلوني لأصلحها، وإن كان السبب الغربة أو السكن فأنا مستعد أن أوضح خطتي"، فأسلوب التواضع يفتح ما لا يفتحه الجدال.

ثالثا: اصطحب معك وسيطا حكيما، رجلا كبيرا في العائلة، أو شخصا يحترمه والدها، يعرفك ويشهد لك بالصلاح، فكثير من الآباء يلينون حين يأتيهم الكلام من ند لهم لا من الشاب نفسه.

رابعا: كن مستعدا نفسيا للاحتمالين، إما أن يلين قلبه، وإما أن يغلق الباب نهائيا، وهنا يأتي الاختبار الحقيقي لإيمانك، قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}، فليس كل ما نريده خيرا لنا، ولو بدا مناسبا في الظاهر.

خامسا: أقول لك كلمة صريحة أخوية: إن كان الرجل قد حلف أنه لن يزوجك ابنته ولو كنت آخر أهل الأرض، فقد خرجت المسألة من دائرة نقاش عقلاني إلى دائرة موقف نفسي حاد، وفي هذه الحالة الإصرار قد يزيد العناد، فالزواج لا يبنى على معركة انتصار، بل على رضا وسكينة، قال تعالى: {لتسكنوا إليها}، فإن بدأ الطريق بخصومة مشتعلة مع الولي، فقد يستمر أثرها بعد الزواج.

سادسا: أكثر من الاستخارة، قال ﷺ: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين...، واصدق في الدعاء: "اللهم إن كانت خيرا لي في ديني ودنياي فيسرها، وإن لم تكن فاصرفها عني واصرفني عنها"، واعلم أن الرجل القوي ليس من يثبت على رغبة واحدة، بل من يسلم لقدر الله تعالى بعد بذل السبب.

والخلاصة هي: أن تسعى رسميا بهدوء، وتدخل وسيطا حكيما، وتغلق باب التواصل غير المنضبط، فإن تيسر الأمر فبفضل الله تعالى، وإن لم يتيسر فارفع رأسك، ولا تجعل قلبك يتعلق بمن لم يكتبها الله تعالى لك، فالرزق -ومنه الزوجة- مكتوب، ولن يأخذه غيرك، ولن تأخذ أنت ما لم يكتب لك.

نسأل الله سبحانه أن يقدر لك الخير حيث كان، وأن يرزقك زوجة صالحة تكون سكنا لك، سواء كانت هذه الفتاة أو غيرها، وأن يشرح صدرك لما يختاره لك.

مواد ذات صلة

الاستشارات