السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في البداية: أود تقديم جزيل الشكر والامتنان لهذا الموقع الممتاز الذي يعد زادا لكثير من الأسئلة الدينية والدنيوية للمسلمين، سائلا المولى عز وجل أن يجعله بابا دائما للنفع والخير، ويجزي القائمين عليه خير الجزاء.
أتقدم بطلب استشارة منكم آملا في جوابكم أن يذهب حيرتي وترددي في قراري: إنني الآن مقبل على الزواج، وقد تقدمت لخطبة فتاة على أدب وأخلاق، فهي مناسبة لي من حيث الأخلاق، والنسب الطيب، والبيئة في التربية والفكر، لكن ليس فيها ما كنت أرجوه من نسبة الجمال، خاصة أنني كنت أرجو فتاة على أدب ودين في المقام الأول، ثم الجمال في المقام الثاني، لكن شاء الله أن تكون نسبة الجمال ليست كما كنت أرجو، ومع ذلك لدي قبول لها.
كلما صليت استخارة من قبل خطبتي في التقدم إليها إلى الآن أجد يسرا في الأمور، ثم إنني بعد خطبتها مباشرة رأيت في منامي أني في مسجد قريتنا، وهو عادة ما تكون فيه مسابقة قرآن، واحتفاليات بالحفظة وتكريمهم.
رأيت أنني في مسجد قريتنا، وكانت بين الجالسين فتاة جميلة جدا منيرة، على خمار مائل إلى الخضرة، في تقييم المتسابقين، أو تكريمهم، ثم أخذت تنظر إلي، وتطيل النظر وأنا كذلك، وكانت أختي بجانبي وتقول لي: أما كان يحب أن تصبر وتأخذ هذه؟
أردت إخباركم بهذا لأسأل: هل الفتاة التي تقدمت إليها مناسبة لي، أم أنني أخاف أن أظلمها مستقبلا معي لعدم انجذابي نحوها بشكل كامل؟ وهل تلك الرؤيا دليل على أمر ما؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب ونسأل الله أن يبارك لك في خطوتك، وأن يرزقك البصيرة قبل الإقدام، والرضا بعد الاختيار، وأن يجمع لك بين الدين والدنيا على خير.
وسنجيبك من خلال ما يلي:
1- الأصل الذي ينبغي أن يستقر في قلبك أن الزواج لا يبنى على صورة متخيلة في الذهن، بل على صلاح واقعي قابل للعشرة، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى معيار جامع حين قال: فاظفر بذات الدين تربت يداك، ولم يلغ جانب الجمال، لكنه لم يجعله الأصل الذي يبنى عليه القرار، بل جعله تابعا بعد الدين والخلق، فإذا اجتمع الدين والخلق والنسب الطيب والبيئة الصالحة والفكر المتقارب؛ فهذه أركان عظيمة في بناء بيت مستقر.
2- مسألة الجمال مسألة نسبية، وليست قالبا واحدا، وكثير من الرجال يظنون أنهم لن ينجذبوا إلا لصورة معينة رسموها في خيالهم، ثم بعد الزواج يكتشفون أن الألفة تصنع من الجمال ما لا تصنعه الملامح وحدها، القبول الذي ذكرته أهم من الانبهار؛ الانبهار يهدأ، أما القبول فينمو.
3- خوفك من ظلمها مستقبلا يدل على ضمير حي، لكن اسأل نفسك بصدق: هل عندك نفور حقيقي، أم مجرد مقارنة بين الواقع والخيال؟ إن كان هناك نفور قلبي واضح لا تستطيع معه تصور حياتك معها، فالتوقف أولى قبل العقد، أما إن كان الأمر مجرد أنها ليست في أعلى سلم الجمال الذي تخيلته، ومع ذلك تجد راحة وارتياحا عاما وقبولا، فالأصل أن تمضي.
4- الاستخارة علامة عظيمة في حالتك؛ لأنك ذكرت أن الأمور منذ البداية إلى الآن ميسرة بلا تعقيد، ومن فقه الاستخارة أن التيسير بعد الدعاء علامة خير، لا أن ينتظر الإنسان رؤيا أو شعورا خاصا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يربط الاستخارة بالرؤى، بل بتيسير الأمر.
5- أما الرؤيا التي رأيتها، فالأصل في الرؤى أنها لا يبنى عليها حكم شرعي، ولا قرار مصيري، خاصة في أمور الزواج، فكثير من الرؤى تكون انعكاسا لما يدور في النفس، وأنت أصلا تفكر في مسألة الجمال، فظهر في المنام نموذج جمال مثالي، مع تعليق أختك في الرؤيا على معنى “الصبر”، هذا قد يكون صوت رغبتك الداخلية لا أكثر، ولا يفهم منه أن هناك فتاة بعينها بانتظارك، أو أن خطيبتك غير مناسبة.
6- الشيطان قد يدخل على الإنسان من باب الكمال المثالي، فيجعله يطارد صورة لا تتحقق، فيضيع عليه امرأة صالحة واقعية من أجل احتمال مجهول، والإنسان إذا كان ذا دين وخلق فالأولى أن يبحث عمن تعينه على الطاعة، لا عمن تشبع صورة متخيلة.
7- اسأل نفسك سؤالا عمليا: لو تقدم لك اليوم من يخبرك أن هذه الفتاة سيحفظ الله بها دينك، وستعيش معها عشرة مستقرة، لكن لن تكون الأجمل في محيطك، هل تقبل؟ فإن كان الجواب نعم بطمأنينة فتوكل على الله، وإن كان الجواب لا، ويعتصر قلبك، فراجع نفسك قبل أن تظلمها.
8- الجاذبية في الزواج لا تختزل في الملامح، هي خليط من أخلاق، وحياء، وطريقة حديث، ورائحة بيت، وألفة، ومواقف، وكم من زواج بدأ بلا انجذاب كامل، ثم صار صاحبه لا يرى في الدنيا أجمل من زوجته.
9- لا تجعل المقارنة بين النساء بابا لفساد قلبك، إن عقدت على امرأة، فأغلق باب المقارنة تماما، وإلا لن تسلم من قلق دائم، والعدل القلبي يبدأ من حسم القرار قبل الدخول.
10- نصيحتي لك أن تمضي خطوة واقعية: زد من الرؤية الشرعية المنضبطة، تحدث معها في حضور أهلها حديثا أوسع في القيم والطباع، تأكد من وجود ارتياح إنساني عام، ثم إن استقر قلبك فتوكل، أما إن بقي التردد قويا، فالأمانة تقتضي أن تنهي الأمر مبكرا قبل أن تتعلق بك أكثر.
وفي الختام: الزواج ليس بحثا عن الأكمل شكلا، بل عن الأوفق، وإن صدقت نيتك وأحسنت الاختيار على أساس الدين والخلق، بارك الله لك في زوجتك وجعلها في عينك أجمل النساء، وشرح صدرك لما قسم لك، والله الموفق.