السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا متزوجة منذ عشر سنوات، ولدي ابنة عمرها سبع سنوات، زوجي يعمل في أحد المستشفيات، والبيئة المحيطة أثرت في حياتنا، اكتشفت قبل قرابة سنة أن لديه علاقة مع امرأة كانت مخطوبة، وقد أحبا بعضهما لمدة خمس سنوات دون أن أعلم، تزوجت تلك المرأة قبل سنة، لكن بعد زواجها ما زالا يتحدثان ويشتاقان لبعضهما، وهي تحاول إنهاء علاقتها بزوجها لتعود إليه.
حدثت بيني وبينه مشكلات كثيرة، وكان يرفض الإنجاب، ثم قرر مؤخرا أن ننجب أطفالا، لكن موضوع تلك المرأة ما زال يحرق قلبي ولم أتجاوزه.
سؤالي: كم يحتاج زوجي لينساها؟ وهل إذا تركته سيعود إليها؟ هو يملك كل الصفات الحسنة، وهذه هي السلبية الوحيدة فيه. كيف أكسبه وأكسب قلبه وأجعله ينساها؟
أدعو الله كل يوم وفي كل وقت أن ينسيه إياها، وأن يؤلف بين قلوبنا، وقد عرفت بالأمر منذ سنة، وما زالت النار في صدري لم تهدأ.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Ellen حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
إن مرور عشر سنوات زواج وبينكما بنت في السابعة، يمثل تاريخا، وبيتا، وعشرة، وليس صفحة تطوى بسهولة، لذلك سنمشي بهدوء، بعقل ثابت وقلب متوازن، ونقول في ترتيب:
أولا: علينا أن نضع الأساس الشرعي بوضوح:
العلاقة العاطفية خارج إطار الزواج محرمة، سواء كانت لقاء أو تواصلا أو شوقا بالكلمات؛ قال تعالى: {ولا تقربوا الزنىٰ إنه كان فاحشة وساء سبيلا}، والنبي ﷺ بين أن الخيانة لا تكون بالفعل فقط، بل بالقلب والنظر والكلام، فقال: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما السمع، واللسان زناه الكلام.
إذا ما حدث خطأ كبير، لا يهون منه، لكن باب التوبة مفتوح، والله تعالى يتوب على من تاب، ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وقد قال تعالى: {إن الله يحب التوابين}، فإن كان أنهى العلاقة فعلا وقطع التواصل؛ فهنا نحن أمام مرحلة إصلاح لا مرحلة فضح ومحاسبة مستمرة.
ثانيا: لا تسمحي أن يتحول الألم إلى شك قاتل للحياة:
الشك المستمر يحرق صاحبه قبل غيره، المراقبة، التفتيش، استحضار القصة كل يوم؛ هذا يستهلك أعصابك، ويشعره أنه متهم دائما حتى لو حاول الإصلاح، فإن كان قد أنهى العلاقة؛ فلا تعيدي فتح الملف كلما اختلفتما؛ فالتذكير المستمر يعيد المشاعر القديمة إلى السطح بدل أن يدفنها، وتذكري قوله ﷺ: من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والستر هنا ليس إنكار الخطأ، بل عدم تحويله إلى سلاح يومي تذكرين به كلما غضبت أو صار لك موقف خلاف معه.
ثالثا: كم يحتاج من الوقت لينساها؟
لا يوجد رقم سحري حتى يحصل منه النسيان، وليس هناك زر يضغط عليه فيحصل النسيان، لكن المشاعر تضعف إذا انقطع التواصل تماما، وإذا وجد البديل العاطفي داخل البيت، وإذا شعر الزوج بالسكينة لا بالمطاردة.
الرجل غالبا لا يتعلق بشخص فقط، بل بإحساس افتقده، اسألي نفسك بهدوء: هل كان هناك: جفاف عاطفي، روتين طويل، قلة تجدد، فتور في التزين أو الكلمات أو الاحتواء؟ لا تفهمي أن هذا تبرير لخطئه، بل بحث عن جذور الخلل؛ أحيانا طول الألفة يجعل الزوجة تنشغل بالأمومة والبيت، فيبحث الرجل عن شعور “الاهتمام الأول” الذي كان في البدايات.
رابعا: جلسة مصارحة ناضجة:
1. أنتما تحتاجان لجلسة هادئة، لا اتهام فيها ولا صراخ، قولي له مثلا: "أنا تألمت جدا، لكني أريد أن أحافظ على بيتنا، أنا أحتاج لأمان واضح، وأريد قطعا نهائيا لأي تواصل بينك وبينها، ولنبدأ صفحة جديدة".
2. ضعي شروط الأمان بهدوء، وذلك وفق ما يلي:
– إنهاء كامل لأي وسيلة اتصال.
– شفافية معقولة تطمئن قلبك دون تجسس.
– اتفاق على تحسين العلاقة بينكما.
خامسا: كيف تكسبينه ويكسب قلبك؟
1. حسن التبعل: فقد قال النبي ﷺ: الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة (رواه مسلم)، والصالحة مثلك ليست فقط عابدة، بل حاضرة قلبا وروحا.
2. التجدد: بأن تغيري نمط الحياة، وذلك بأن تهتمي بمظهرك كما كنت في البدايات، وتضيفي مفاجآت بسيطة، وتعيدي لغة الاشتياق.
3. الإشباع العاطفي: الرجل يحتاج التقدير أكثر مما يصرح، امدحي عمله، تعبه، رجولته؛ الكلمات تصنع فرقا أكبر مما نتخيل.
4. عودة السكينة: قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها}، اسألي نفسك: هل يشعر بالسكينة في البيت، أم بالتوتر والمحاسبة؟
سادسا: التنبيه على خطورة الاستمرار في هذه العلاقة:
ينبغي أن يكون واضحا أن هذه المرأة أصبحت الآن زوجة لرجل آخر؛ وبالتالي فإن أي تواصل بين زوجك وبينها ليس مجرد خطأ عاطفي، بل هو اعتداء على حدود الله وعلى بيت مسلم آخر؛ والنبي ﷺ حذر بشدة من إفساد المرأة على زوجها فقال: ليس منا من خبب امرأة على زوجها.
ومعنى التخبيب: إفساد قلب المرأة على زوجها حتى تنفصل عنه؛ ولذلك فإن محاولته إبقاءها على تواصل معه، أو تفكيره في إنهاء زواجها لتعود إليه، باب من أبواب الفتنة والظلم لا يجوز شرعا، ولا يليق بمسلم يخاف الله أن يكون سببا في خراب بيت غيره.
ولهذا فإن المطلوب هنا ليس مجرد تخفيف العلاقة أو تقليل التواصل، بل القطع التام والفوري لأي اتصال أو متابعة أو حديث؛ لأن استمرار هذه العلاقة بعد زواجها يدخل في باب الظلم والتعدي على حقوق الآخرين، ويمكنك أن تذكريه بهدوء بأن تقوى الله تقتضي منه أن يغلق هذا الباب نهائيا، وأن يتذكر قول الله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}.
كما أن الرجل إذا أراد إصلاح بيته فلا يمكن أن يبقي قلبه مع امرأة أخرى، فضلا عن أن تكون زوجة لرجل آخر، فبقاء هذا الباب مفتوحا لن يجلب له سعادة، بل سيجلب له قلقا وذنبا وظلما للآخرين.
سابعا: الدعاء سلاحك:
استمري في الدعاء، لكن أضيفي دعاء إصلاح داخلي لك أيضا: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين}. وادعي: "اللهم اصرف قلبه عن كل حرام، واملأه حبا لي، وأصلح بيننا".
ثامنا: لا تجعلي هذه الحادثة تلغي عشر سنوات من الخير إن كان صادقا في الرجوع، لكن أيضا لا تقبلي استمرار الإهانة إن لم يقطع العلاقة تماما، لكن ينبغي أن يكون الميزان الدقيق بأن تكون هناك رحمة مع حزم، واحتواء مع حدود، وحب مع كرامة، فإن رأيت منه صدق توبة وتغييرا حقيقيا، فامنحيه فرصة جديدة بروح جديدة، وإن استمر التعلق والتواصل منه معها، فهنا تحتاجين وقفة أقوى، وربما تدخل أسري حكيم.
نسأل الله تعالى أن يبرد نار قلبك، ويبدل خوفك أمانا، ويجمع بينكما على خير، ويكتب لبيتك السكينة التي لا يزاحمها أحد.