أصبحت همتي متوجهة إلى الدار الآخرة، فكيف أفوز بها؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أولا، أود أن أشكر القائمين على هذا الموقع المبارك.
سؤالي هو: هل هناك طريقة لأكون موفقا في كل شيء، في العبادة والعمل؟ فأنا أشعر أنني لا أوفق في شيء.

وثانيا: لم أعد أفكر في الدنيا، بل أصبحت أفكر في الآخرة فقط، وأنه يجب علي أن أعد لها أعمالا عظيمة حتى أكون بجوار الحبيب المصطفى ﷺ، وأن أكون في منازل الصحابة أو في المنازل العليا من الجنة، ولكنني –كما ذكرت سابقا– لا أوفق، وحظي من العبادة قليل، مع أن همتي عالية، وأطمح إلى كثير من الإنجازات في الدنيا.

وأقول أيضا إن البيئة التي أعيش فيها قد تكون سببا في ذلك؛ فأنا أعيش مع أصحابي، ودائما نلعب الألعاب الإلكترونية ونشاهد الأنمي كثيرا، وأشعر أن حياتي بلا معنى.

أطمح في الدنيا أن أكون عالما، أو مجاهدا، أو كثير الصدقة؛ لأن هذه الأعمال هي التي ترفع صاحبها إلى المراتب العليا من الجنة، ومع ذلك لم أفعل شيئا منها، وهذا يشعرني بالإحباط.

وأرى أن أقل ما يجب فعله هو ترك اللغو والملهيات؛ كالضحك الكثير والانشغال بما لا ينفع، مع أنني أحب ذلك، لكن إن كان هذا سببا في قلة توفيقي وضعف استقامتي، فلا بد من تركه؛ لأن من أراد المراتب العليا من الجنة؛ فعليه بالإكثار من الأعمال الصالحة والاجتهاد فيها.

ومع العلم أنني لم أعد أفكر في الزواج، فقد صار تفكيري منصبا على الآخرة فقط، وكيف أفوز بها بأفضل صورها، وأبلغ المراتب العليا من الجنة.

وهمتي أصبحت على هذا النحو، وما يؤخرني هو أن لدي أمرا أريد تحقيقه قبل الشروع في طلب العلم، وهو أن أسكن والدي في المدينة المنورة، وهذا ما أنتظره، وبعد ذلك سأتفرغ للعبادة وما يقربني من ربي.

أرجوكم أفيدوني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك -أيها الأخ الكريم- في موقع استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك التوفيق والسداد.

حقيقة أشعر من كلماتك صدق رغبتك في معالي الأمور، وهذا في حد ذاته علامة خير؛ فالقلب الذي يفكر في الجنة ومرافقة النبي ﷺ قلب حي لم تمت فيه الهمة، لكن في الوقت نفسه يظهر بين سطورك قدر من الحزن والإحباط؛ لأنك ترى أن همتك كبيرة وأعمالك قليلة، وتشعر أن التوفيق بعيد عنك، لذلك دعنا نتعامل مع الأمر بهدوء، بعقل متزن وقلب مطمئن.

أولا: نصحح فهم طريق الوصول إلى معالي الجنة:
الطموح في طلب أعلى المراتب في الجنة طموح محمود، بل إن النبي ﷺ أرشدنا إليه حين قال: إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، لكن الخطأ الذي يقع فيه كثير من الشباب هو تصور أن الوصول إلى هذه المراتب لا يكون إلا بأعمال عظيمة نادرة، كأن يكون إنسانا عالما كبيرا أو مجاهدا أو صاحب صدقات عظيمة.

بينما الحقيقة أن الطريق إلى الله تعالى غالبا يبدأ بالأعمال الصغيرة الثابتة، فقد قال ﷺ: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، فرب عمل صغير استمر عليه صاحبه سنوات فبلغه الله تعالى به منزلة عظيمة، لذلك لا تجعل ضخامة الطموح سببا في تحقير ما تفعله الآن، بل اجعل كل طاعة لبنة في طريق طويل.

ثانيا: لا تجعل الإحباط يسرق منك نعمة البداية:
قولك إنك لا توفق في العبادة مع وجود رغبة كبيرة قد يكون سببه أن النفس تريد أن تبدأ بالكثير دفعة واحدة، فإذا عجزت شعرت بالفشل، والطريق الصحيح هو التدرج، لذا عليك أن تبدأ بثلاثة أشياء ثابتة لا تتركها أبدا:
1– ورد يومي من القرآن ولو قليلا.
2– ركعات يسيرة من قيام الليل.
3– المحافظة على الأذكار اليومية.
هذه الأعمال الصغيرة إذا ثبتت، أصبحت أساسا يبنى عليه الكثير لاحقا.

ثالثا: أثر البيئة التي تعيش فيها:
ذكرت أن حياتك مع الأصدقاء يغلب عليها الألعاب الإلكترونية ومشاهدة الأنمي، هذه الأمور في أصلها قد تكون مباحة إذا كانت بقدر معقول، لكن المشكلة حين تتحول إلى نمط حياة يستهلك الوقت والهمة، وقد نبه النبي ﷺ إلى أثر الصحبة فقال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل، لذلك إن استطعت أن تقلل من هذه الأجواء، أو توازن بينها وبين صحبة تعينك على الطاعة، فستجد فرقا كبيرا في نفسك.

رابعا: التوازن بين الآخرة والدنيا:
من الجميل أن يفكر الإنسان في الآخرة، لكن الإسلام لا يريد منا أن نهجر الدنيا بالكلية، فالنبي ﷺ كان أعبد الناس لله تعالى، ومع ذلك كان يعيش حياة متوازنة؛ يصوم ويفطر، ويصلي وينام، ويعمل ويخالط الناس، بل قال ﷺ: أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، ... فمن رغب عن سنتي فليس مني، فليس مطلوبا منك أن تحرم نفسك من كل ترفيه أو أن تعيش حياة قاسية، وإنما المطلوب أن يكون القلب متوجها إلى الله تعالى مع توازن في الحياة.

خامسا: لا تحتقر الأعمال الصغيرة:
كثير من الناس بلغوا عند الله تعالى منازل عظيمة بأعمال قد يراها الناس بسيطة، فقد أخبر النبي ﷺ عن رجل نحى غصن شوك عن الطريق فغفر الله له، وأخبر عن امرأة سقت كلبا فغفر الله لها، فالعبرة ليست بحجم العمل، وإنما بصدق القلب واستمرار الطاعة.

سادسا: التوفيق بيد الله تعالى قبل كل شيء:
التوفيق ليس نتيجة الجهد فقط، بل هو هبة من الله تعالى، ولذلك كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، فاجعل هذا الدعاء ملازما لك، وأكثر من سؤال الله أن يفتح عليك أبواب الخير، فمن صدق مع الله صدق الله معه.

وأخيرا:
• طريق الوصول إلى المراتب العالية في الجنة ليس قفزة واحدة، بل رحلة طويلة من الخطوات الصغيرة الثابتة.
• لا تحتقر بدايتك، ولا تجعل المقارنة مع الكبار سببا في الإحباط.
• ابدأ بما تستطيع، واثبت عليه، وستجد مع الأيام أن الله تعالى يفتح لك من أبواب التوفيق ما لم تكن تتخيله.

نسأل الله سبحانه أن يشرح صدرك، ويبارك في همتك، ويجعل سعيك طريقا يقودك إلى (الفردوس الأعلى) ومرافقة النبي ﷺ.

وبالله التوفيق.

مواد ذات صلة

الاستشارات