السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعلم أن التبرع في السر هو الأفضل والأحب إلى الله؛ حتى لا يختلط الرياء بنوايا النفس، ولكن على فرض أنني شخصية معروفة على نطاق واسع، ومؤثرة، وقد أكون قدوة لبعض الناس، فأيهما أولى: أن أتصدق سرا، أم أن أعلن عن صدقاتي لأحث الناس على الاقتداء؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ تيمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارة إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع وحرصك على الوصول إلى أحسن الدرجات وأرفع المراتب في أعمالك، وهذا من حسن إسلامك ورجاحة عقلك؛ فإن العاقل هو الذي يحاول أن يؤدي عمله على أحسن الوجوه وأفضلها، وأن يحرص على زيادة الثواب، وهذا ما كان يفعله أصحاب رسول الله ﷺ؛ فإنهم كانوا يسألون عن أفضل الأعمال.
وقد وفقت للصواب -ابنتنا الكريمة- حين أدركت أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية، هذا من حيث الحكم الإجمالي، وقد مدح القرآن صدقة السر وقدمها على صدقة العلانية؛ فقال سبحانه وتعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية﴾، فقدم الليل على النهار، وقدم السر على العلانية؛ للإشارة إلى أن الصدقة في السر أفضل، وذلك لحكم كثيرة، من هذه الحكم: أنها أبعد عن الرياء، وعون لصاحبها على إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى.
وقد مدح الرسول ﷺ إخفاء الصدقة، وجاء في الحديث المشهور الذي يحفظه أغلب المسلمين بحديث السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، فهو يخفيها حتى عن بعض أجزائه هو.
وهكذا الآيات والأحاديث في مدح صدقة السر كثيرة جدا، ولكن العلماء يقولون يستثنى من هذه القاعدة المواضع التي أحب الله تعالى فيها إظهار الصدقات، ومن هذه المواضع: إظهار الصدقة الواجبة مثل إخراج الزكاة، وصدقة الفطر؛ فهذه السنة أن يخرجها جهرا علانية.
ومن المواضع أيضا التي استثناها العلماء: صدقة الإنسان المقتدى به -الإنسان القدوة لغيره- إذا أمن على نفسه من الرياء لقوة إخلاصه، وكان في إظهاره للصدقة داعيا للآخرين للتصدق؛ فهذا الأفضل في حقه أن يتصدق علانية، واستدلوا على هذا بقصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ بصدقة في كفه بعد أن أمر النبي ﷺ الناس بالتصدق على الفقراء الذين ظهرت عليهم علامات الحاجة، فأمر النبي ﷺ الناس بالصدقة، فخرج رجل من المسجد وذهب إلى بيته، وجاء بصرة في كفه، فوضعها بين يدي النبي ﷺ، فلما رآه الناس تتابعوا على ذلك، حتى اجتمع كوم من الطعام وكوم من الثياب، فتهلل وجه النبي ﷺ، أي ظهرت أمارات وعلامات السرور على وجهه الكريم - صلوات الله وسلامه عليه- ثم قال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها يشير إلى الرجل الأول الذي جاء بالصدقة في كفه، فرآه الناس فاقتدوا به.
قالوا: هذا الحديث دليل على أن صدقة العلانية في هذا المقام أفضل من صدقة السر، لكن هذا شرطه -كما قلنا- أن يكون الإنسان آمنا على نفسه من الرياء.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا وإياك لكل خير.