أضحك على كل شيء وأخشى أن يكون ذلك استهزاءً!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ أن أصبحت ملتزمة بالصلاة -ولله الحمد- قبل نحو ثلاث سنوات، بدأت تصيبني وساوس أخذت تكبر وتتفاقم شيئا فشيئا، ولا أعلم كيف أتعامل معها، فمثلا، أمنع نفسي من الضحك في كثير من الأمور خشية أن أكون مستهزئة أو ساخرة من مسلمة، وهذا الأمر أرهقني جدا.

كما ينتابني الضحك عند رؤية معصية، وأنا في الأصل أضحك على أشياء كثيرة حتى في المواقف الجدية، ولا أستطيع منع نفسي، وهذا الأمر يحدث لي منذ زمن بعيد، ولا أعلم سببه، وبسبب هذا الضحك فإنني أضحك على أشياء كثيرة تقريبا عند مشاهدة أي شيء.

كذلك تلازمني عادة غريبة تحدث كل ساعة تقريبا في يومي ولا أستطيع التخلص منها، وهي ما أرهقتني بشدة؛ حيث لا أستطيع التوقف عن التفكير بأن ما أفعله من أمور حياتي قد يكون حراما، فابتليت بالشك في كل ما أشاهده أو أفعله بأنه محرم، ولا أستطيع ردع هذا الشعور، وعندما أبحث عن تلك الأمور أجد بعضها محرما بالفعل، وهذا أرهقني جدا؛ فلا أستطيع تطبيق ما تذكرونه في موقعكم من دفع الوساوس بالاستعاذة وغيرها، لخوفي الشديد من فعل الحرام، أو الضحك عليه.

أيضا كنت أكثر من الأسئلة في موقعكم عن أحكام الأشياء التي فعلتها وما شابه؛ لأنني كنت أعلم أنني إذا أشكل علي شيء في الدين فعلي سؤال أهل العلم، ولكن الأمر أصبح عادة لا أستطيع تركها؛ لأنني أخشى إن حاولت التجاهل أن أكون مذنبة لعدم السؤال، وهذا ما جعلني عاجزة عن دفع الوساوس. مع العلم أنني لا أستطيع ترك بعض المحرمات كالمسلسلات وما شابهها، وسأحاول تركها بإذن الله، ولكن المسلسلات التي أشاهدها يكون فيها كفار، فأضحك على بعض أفعالهم عند مشاهدتها، ومنها ما يكون حراما، فلا أعلم أيضا هل وقعت في الحرام بضحكي على الأمور المحرمة التي يفعلونها أم لا؟ كما أنني لا أستطيع الذهاب إلى طبيب نفسي.

شكرا جزيلا لكم، وجزاكم الله خيرا، وأرجوكم أرشدوني ماذا أفعل لعلني أعمل بنصيحتكم بإذن الله.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ تالا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يثبت قلبك على طاعته، ويشرح صدرك، ويجعل ما تجدينه رفعة لك لا عذابا، وأن يصرف عنك كيد الشيطان ووسوسته.

وسوف نجيبك من خلال ما يلي:
1- أول ما يجب أن يرسخ في قلبك أن ما تعانين منه ليس ورعا محمودا، بل وسواسا مرهقا، والفرق بينهما أن الورع يورث طمأنينة، أما الوسواس فيورث خوفا دائما واضطرابا وشعورا بالذنب في كل لحظة، والله تعالى لا يريد بك هذا العنت، قال سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، والدين ليس ساحة توتر مستمر، بل سكينة واعتدال.

2- منعك لنفسك من الضحك خوفا من الوقوع في الاستهزاء ليس مطلوبا شرعا، فالضحك في ذاته مباح، والإنسان قد يضحك لطبيعته أو لغرابة موقف أو لتفريغ توتر، ولا يحكم على الضحك بأنه استهزاء إلا إذا كان مقصودا به السخرية من الدين أو من شعائر الله، أو من المؤمنين، أما مجرد ضحك عفوي، أو ضحك على تصرف بشري، فلا إثم فيه، ولا تحاسبين على ما لم تقصديه، والله يقول: (ولكن ما تعمدت قلوبكم).

3- خوفك من أن يكون كل شيء تفعلينه حراما هو من أوضح صور الوسواس؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، وليس الأصل التحريم، فلا يقال عن شيء إنه حرام إلا بدليل واضح بين، وما دام الأمر فيه خلاف أو اجتهاد أو لم يثبت تحريمه بدليل قطعي، فلا يجوز لك أن تعامليه معاملة الحرام؛ لأن الشريعة لا تبنى على الشكوك، بل على اليقين.

4- إكثار السؤال في كل صغيرة وكبيرة سيصبح عادة قهرية، وقد يتحول إلى دائرة وسواس، ولذا فإن التجاهل هو من أهم وسائل علاج؛ لأن الاستجابة للوسواس تقويه، أما تجاهله فيضعفه تدريجيا.

5- قولك إنك تخافين إن لم تسألي أن تكوني مذنبة، هذا أيضا من تلبيس الوسواس؛ لأن الله لا يكلفك بما لا تعلمين، ولا يؤاخذك على جهل غير مقصود، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، فكيف بما هو مجرد شكوك داخلية لا تعمد فيها؟

6- بالنسبة للضحك عند مشاهدة معصية في مسلسل، فالتفصيل مهم: إن كان الضحك على طريقة الأداء أو الموقف الكوميدي، لا على المعصية نفسها، فلا يعد هذا رضا بالحرام، أما إن كان الضحك إعجابا بالمعصية أو استحسانا لها، فهنا يكون الخلل في الرضا لا في مجرد الضحك، لكن ما تصفينه يدل على أنك تخافين من الحرام وتكرهينه، ومن يكره الحرام في قلبه لا يحكم عليه بالرضا به لمجرد ضحكة عابرة.

7- ذكرك أنك لا تستطيعين ترك بعض المحرمات الآن لا يعني أنك منافقة أو مستهزئة، بل يعني أنك تجاهدين نفسك، والعبد قد يكون عنده ضعف في جانب ويظل مسلما صادقا يجاهد، فإصلاح النفس يكون بالتدرج لا بالقفز، ومعالجة الوسواس أولى الآن من فتح ملفات كثيرة عليك دفعة واحدة.

8- من أهم ما يجب أن تلتزمي به عمليا: أن تتوقفي تماما عن تحليل نيتك بعد كل فعل، لا تجلسي تسألين نفسك: هل قصدت؟ هل نويت؟ هل رضيت؟ هذا باب لا ينتهي، والقاعدة الشرعية: اليقين لا يزول بالشك، وما دام قلبك الأصل فيه الإيمان ومحبة الطاعة، فلا تعاملي كل خاطر كأنه حكم نهائي عليك.

9- ضعي لنفسك قاعدة عملية واضحة: إذا جاءك خاطر أن هذا الفعل حرام بلا دليل قاطع، فقولي في نفسك: هذا وسواس، ولن أبحث، ولن أسأل، ولن أحلل، واستعيذي بالله مرة واحدة فقط، ثم امضي في حياتك، حتى لو شعرت بالقلق؛ لأن القلق سيخف مع التكرار، أما لو استجبت فسيزيد.

10- لا تجعلي التزامك سببا في تضييق حياتك، بل اجعليه سببا في طمأنينتك، فالشيطان إذا عجز عن جر العبد للمعصية حاول أن يتعبه بالوسوسة حتى يكرهه في الطاعة، وأنت الآن في مرحلة يحتاج فيها إيمانك إلى فقه في التعامل مع النفس، لا مزيد من التشديد عليها.

وفي الختام: أنت لست مستهزئة، ولا منافقة، ولا واقعة في الكفر بسبب ضحك عابر، أو شك داخلي، أنت مبتلاة بوسواس يحتاج حزما في قطعه لا استسلاما له.

نسأل الله أن يشفي صدرك، ويثبت قلبك، ويجعل التزامك نورا وسكينة لا قلقا وتعبا، وأن يرزقك فقها في الدين يحررك من الوسواس ويقربك إليه قربا جميلا، والله الموفق.
__________________________
انتهت إجابة د. أحمد المحمدي -المستشار الشرعي والأسري-،
وتليها إجابة د. مأمون مبيض -المستشار النفسي-.
_____________________
نرحب بك -أختنا الفاضلة- في إسلام ويب، ونشكر لك هذا السؤال.

أختي الفاضلة: إذا تعذر عليك القيام بكل هذا مما ورد في رد الدكتور أحمد المحمدي، إذا تعذر عليك القيام بكل هذا، فلا بد من أن نلجأ إلى العلاج، والنبي ﷺ يعلمنا ويوجهنا بقوله: تداووا عباد الله، وكما أن هذا ينطبق على الأمراض العضوية، فإنه ينطبق أيضا على الأمراض النفسية، ومنها حالة الوسواس القهري، والذي هو كاسمه، أفكار قهرية تشكك في أشياء كثيرة، وتمنعك من أشياء كثيرة، بالرغم من إدراكك من أنها غير منطقية وغير معقولة، إلا أنها تلح عليك إلحاحا، وقد يصعب في كثير من الأحيان دفع هذه الأفكار، أو تجاهلها.

فإذا وبالرغم من أنك ذكرت في سؤالك أنك لا تستطيعين الذهاب إلى الطبيب النفسي، مع ذلك لا بد أن أوجهك إلى ضرورة هذا، الحل البديل الآخر أنه يمكنك إن استطعت الحصول على وصفة دواء الـ (بروزاك Prozac)، وهو أحد مضادات الاكتئاب، (20 ملغ - حبة واحدة) يوميا، فلعل هذا يعينك جدا على تجاوز وتخفيف هذه الأفكار القهرية التي تزعجك، وتمنعك كما يبدو من العيش الطبيعي المسترخي.

الأمر الأخير -أختي الفاضلة-: لاحظت أنك في سن الثامنة عشرة، ولم تذكري لنا أنك طالبة أو تعملين، فأرجو أن يكون لديك ما يملأ وقتك، سواء الدراسة أو العمل؛ فهذه أمور تعينك جدا على ألا يستفرد بك أو تستفرد بك الأفكار الوسواسية، وكما يقول الإمام الشافعي: "نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر".

أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والسلامة والعافية.

مواد ذات صلة

الاستشارات